أمريكا تضعف قوتها في المباحثات الإيرانية

في طقس معتاد من الدبلوماسية، اجتمعت القوى العظمى مع فيينا يوم الثلاثاء من أجل إعداد اتفاقية نووية شاملة. ستكون هناك خطابات رنانة حول التفاهم المشترك والتنازلات المتبادلة.
جميع الأطراف سيُطلب منها التخلي عن مطالبها العظمى لأن أفضل ما يمكن التوصل إليه هو اتفاقية غامضة تترك إيران بدون أسلحة نووية ولكن تسمح لها بالتقدم خطوات كبيرة باتجاه القدرات النووية
مثل هذه الحسابات التي تبدو واقعية يفوتها أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الاتحاد السوفييتي، ولكن مع قوة متوسطة محاصرة لا يزال بالإمكان مضايقتها لتقدم تنازلات إضافية
خلال أكثر من عقد من الدبلوماسية النووية، نصح بعض المحللين -باستمرار- بالسعي للوصول إلى تسوية تتنازل عن جزء كبير من الجوانب المهمة للبرنامج النووي الإيراني، وذلك حتى لا تنسحب إيران من المفاوضات وتتزايد احتمالات اندلاع صراع جديد في الشرق الأوسط. وفي رأي هذا الفريق من المحللين فإن الاتفاقية النهائية قد لا تكون مثالية، لكنها ستحافظ على التماسك والتحالف وتفرض بعض القيود على المسار النووي الإيراني. مثل هذه المسلمات تسيء فهم الإغراء الذي تمثله التجارة الأمريكية والتفوق العسكري الأمريكي. صحيح أن العقوبات الأوربية كانت جزءا مكملا لا غنى عنه للجهود الأمريكية لاستنزاف الاقتصاد الإيراني. ولكن إذا أصرت واشنطن على شروط نووية صارمة، فإن من غير المرجح أن يستأنف الأوربيون الاستثمارات بصورة كبيرة في إيران
مشاريع قوانين العقوبات المتعددة التي أقرها الكونجرس وصادق عليها الرئيس أوباما لها جانب ثانوي: إذا تم تطبيقها، أي بنك أوروبي أو شركة نفطية تتوصل إلى اتفاق مع إيران ستُمنع من الوصول إلى السوق الأمريكية.الاقتصاد الأمريكي القوي سيكون له أثر كبير على أي اتفاقية تحاول إيران التوصل إليها.البعض اقترح أن يتم الأخذ بالاعتبار «الخطوط الحمراء» الرئيسة للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، لأنها لا يمكن تعديلها.سيكون من الحكمة أن لا يصر المفاوضون الغربيون على أن ترسل إيران كل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد أو أن تغلق جميع منشآتها النووية الحالية. بروز السياسيين البراجماتيين مثل الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني ربما جعل إيران قابلة للتوصل إلى تسوية، لكن آية الله خامنئي لا يزال يقبع خلف المعتدلين، وأوامره الأساسية يجب أن تُحترم. المرشد الأعلى ومؤيدوه المتشددون صمدوا أمام ضغوط العقوبات الاقتصادية والتهديدات بالعقوبات العسكرية؛ وربما يكونون مستعدين أخيرا للتوصل إلى اتفاق مع الغرب، لكنهم لن يتخلوا عن طموحاتهم النووية بشكل كامل. في إطار محاولتهم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، على المفاوضين أن لا يمنحوا الجانب الإيراني تنازلات أكثر من اللازم. ومع ذلك فإن قراءة قريبة للمشهد السياسي الإيراني على مدى السنوات القليلة الماضية تكشف أن أهم «خط أحمر» للمرشد الأعلى لم يكن يتعلق بالقضية النووية ولكن بمنع المعتدلين من استعادة السلطة السياسية. في أعقاب الانتخابات الرئاسية الإيرانية المزورة التي جرت عام 2009، أمضى خامنئي السنوات الأربع التالية وهو ينتقد المحرضين ويتهم الإصلاحيين بالتعامل مع الغرب لتقويض الدولة الدينية. أصبح خطاب خامنئي مليئا بإشارات إلى الخطط ، والمؤامرات، والمنحرفين. وبدا أن المرشد الأعلى مستعد لفعل أي شيء لمنع وصول أي شخص لا يمتثل لقيوده الأيديولوجية إلى كرسي الرئاسة. وبعد ذلك جاءت الانتخابات الرئاسية لعام 2013، وبحلول ذلك الوقت كانت مشاعر الإيرانيين قد تحولت بعيدا عن منظور التيار السياسي المحافظ. عندما وجد نفسه أمام احتمال تطبيق هذه الخطوط الحمراء خلال استخدام العنف، اختار آية الله خامنئي على مضض أن يقبل بوصول حسن روحاني إلى كرسي الرئاسة. خامنئي قد لا يكون شخصا براجماتيا، لكنه يمكن أن يكون حكيما، وفي مواجهة تهديدات حقيقية لسلطته، سوف يتراجع عن مواقع مرسومة جيدا.
* واشنطن بوست