حتى لا نكون أمة في العراء
السبت، ٢٢ فبراير ٢٠١٤
دخل المعلم الصف، ألقى التحية على الحضور وقال: ما حصيلة جولاتكم في المكتبات، وما أسماء الكتب في السير والأعلام التي اخترتموها، وما أنواع الروايات، ومن هم الكتاب الذين لفتوا انتباهكم؟! قال سعيد: هل بإمكاني أن أطرح عليك سؤالا يا أستاذ؟ قال الأستاذ: تفضل
سعيد: لقد وجدت الروايات الغربية المترجمة وغير المترجمة تتزاحم وبقوة في المكتبات العامة والخاصة بينما تتوارى على خجل كتابات أدبائنا وأديباتنا، فهل جف يراع الأدب لدى الأجيال العربية المتأخرة؟ الأستاذ: هذا سؤال كبير، هل تريد مني أن أجيب عليه الآن أم في نهاية الحصة؟ قال سعيد: إن هذا السؤال في خاطري منذ عدة أعوام، ما الذي ينقص الأجيال العربية المتأخرة لتنتج كتبا تتقارب من حيث الكم والإبداع مع ما لدى الغرب والشرق والدول المتقدمة؟! قال الأستاذ: حسنا أيها الطلاب، ما هي الإجابة بنظركم على هذا السؤال؟ محمد: أرى أن نقص التشجيع يمثل عاملا رئيسا في قلة الإنتاج الإبداعي من روايات ومسرحيات وكتابات أدبية وفكرية متنوعة
حمد: كذلك العزوف عن القراءة،العرب لا يقرؤون كما تفعل شعوب الدول المتقدمة، مما يؤثر على رغبة المبدعين في شحذ هممهم للعطاء والعمل
جمال: أرى أن ارتفاع تكاليف طباعة الكتب مقارنة بدخول عدد كبير من أفراد المجتمع يمثل عائقا أمام المواطن لمعرفته أن ميزانيته لا تحتمل سعر الكتاب الباهظ الثمن
ياسر: أرى أن السبب يعود لعدم تكوين عادات القراءة المبكرة لدى الأطفال في البيت والمدرسة مما يقلص من عدد المبدعين العرب ويضعف إمكاناتهم اللغوية فلا نرى أدبا منافسا ولا إنتاجا فكريا يتحدى الركود ويحفز على القراءة المكثفة والعميقة
زيد: أرى أن وسائل الإعلام مقصرة إلى حد كبير في استضافة الكتّاب والأدباء من الجنسين بينما تسلط الضوء على أهل الغناء والتمثيل والطرب، وخفوت الأضواء يؤدي إلى إحباط فئة من الكتاب الذين يتوارون شيئا فشيئا عن الأنظار بعد أن تم إقناعهم أن بضاعتهم مزهود فيها!
عمر: أرى أن دور النشر العربية تتحمل أيضا جانبا من التقصير وذلك للروتين المزمن في أدائها، والذي أضعف مع الزمن دور هذه المؤسسات وقلص تأثيرها في الحياة
جابر: وأين المسلسلات والأفلام التي تحكي سير كتابنا ومؤلفينا ومبدعينا العرب، إن شركات الأفلام الغربية تتنافس لتقديم رموزها من المبدعين والمؤلفين وكتاب الروايات، ناهيك أنها تحول أعمالهم لأفلام ومسلسلات،فهل لدينا مثل هذا الاهتمام بنجومنا الكتاب وعطائهم الثري؟! الأستاذ: مسلسلات وأفلام عن الكتّاب والأدباء وتحويل كتاباتهم لروايات وأعمال فنية يا لك من فتى طموح يا جابر!
جابر: نعم يا أستاذي،نحن بحاجة إلى ثورة ثقافية شاملة نعيد من خلالها تقديم رموزنا وعمالقتنا في الفكر والتراث والأدب
إن أديبا كمصطفى صادق الرافعي، أومؤرخا كمحمود شاكر أو محمد المجذوب، أو مي زيادة، أوعائشة بنت الشاطئ، أو محمد عبدالحليم عبدالله، أوعبدالحميد جودة السحار، أوعلي أحمد باكثير، وغيرهم من الأسماء اللامعة لهم حق كبير علينا، ومن أبسط حقوقهم إفراد مسلسلات وأفلام وتمثيليات تحكي للأجيال الناشئة عن أدوارهم في خدمة اللغة والتراث والتاريخ والأدب والشعر وتربية ذوق الأمة والارتقاء بفكرها
الأستاذ: بوركت، بوركت يا جابر
جابر: وأيضا لا بد من كتابة قصص للأطفال عنهم،وعمل مختصرات لقصصهم توجه للأطفال، حتى ينشأ الطفل وقد تعرف على رموزه وأهل الفكر والقلم في أمته
الأستاذ: بديع، هل من آراء أخرى
بدر: أيضا من أسباب انكماش وضعف الإنتاج الأدبي والفكري للأجيال المتأخرة ضعف التخطيط وضيق الرؤى، لو كانت هناك رؤى موسعة لتعزيز الإنتاج المكتوب والارتقاء بدوره في الحياة لارتقى التخطيط مما سينعكس على الأداء في هذا المجال
الأستاذ: ما شاء الله، أرى أنكم يا أبنائي قد قدمتم شرحا مركزا لأسباب ضعف الإنتاج الأدبي العربي في القرون المتأخرة، ومع موافقتي التامة لتحليلاتكم وأفكاركم أتساءل: ما هي خطورة بقاء الوضع على ما نحن عليه؟ جابر: سنكون أمة في العراء يا أستاذي، سنكون أمة في العراء!! الأستاذ: وكيف ذلك؟ جابر: إن الأطفال يكبرون، ويصيرون شبابا وكل ما تقع عليه عيونهم وتتفتح له مداركهم منذ نعومة أظفارهم هو الأدب الغربي مترجما أو غير مترجم نتيجة انزواء الإنتاج الأدبي وضعفه مما يؤدي لتعلق الأجيال الجديدة وإعجابها الشديد بالآخر مع ضعف إيمانها بأن العرب لديهم مبدعون ومؤثرون وملهمون ومشاركون في الإنتاج الإبداعي
المعلم: إذن حتى لا نكون أمة في العراء علينا أن ندعم مبدعينا بمختلف صور وأشكال الدعم حتى تتوالى الأجيال المبدعة، والثقة تملأ القلوب بأننا أمة تقدر التميز وتقدر الفكر المضيء وتعرف كيف تشق طريقها للمستقبل بعقول تصنع المستقبل وتنتج أعظم الأفكار وأجدرها بالبقاء