هل تتخيل
الاثنين، ١٢ يناير ٢٠١٥
الخَيَالُ هو ما تشبَّه لك في اليَقظة أو في المنام من صور غير مادية يعالجها مخك لتصبح ولو لحظات كالحقيقة المعاشة.
والعقل البشري عبقري في مجال التخيل، فهو قادر على الإبحار بصاحبه إلى عوالم عجيبة، تجعل الأديب يكتب، والرسام يرسم، ومن يعملون على تعديل الصور، وخلق المشاهد المتحركة في مختلف الوسائل الفنية يبدعون إلى درجة الإبهار بالقدرة على استحضار واستنطاق الصور قديمها وحديثها، معقولها ومستحيلها.
ولكن العقل البشري يظل قاصرا، لا يستطيع تخيل ما لم يسبق له رؤيته، أو السماع عنه.
والمدهش هو كيفية قدرة العقل على تخيل المجهول كالجنة مثلا!. فهل رآها من قبل بتفاصيلها؟. بالطبع لا، ولكن العقل البشري أكبر حاسوب جمعي في العالم، لذلك يقوم بتجميع الصور، ودمجها كما تفعل برامج الحاسوب في مخيلة الشخص، فالنهر سبق وأن رآه، واللبن كذلك، فمن السهل تخيل نهر لبن، ولو كان بعيدا كل البعد عما يعدنا الله به.
والطير معروفة للمخ، ولحمها المشوي كذلك، فمن السهل أن يجمع العقل بين الصور، لتتخيل طيرا يهبك من لحمه المشوي اللذيذ، ثم يعود للطيران. والأرض معروفة للمخ، وكذلك أنواع الحجارة الكريمة الأخرى، ومن السهل أن يربط العقل بينهما لنرى كيف يكون شكل أرضيات الجنة وممراتها، وهكذا يستمر التخيل بأجزاء متناثرة يتم تركيبها ودمجها فلا تعود بالنسبة لنا غريبة، أو مستحيلة.
ولكن هل معنى ذلك أننا نتخيل الجنة الحقيقية، وبالطبع فإن الجواب يكون بالنفي، كونها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
ولننظر للأشياء الدنيوية، وسنجد أنها كذلك، لا يمكن تخيلها دون سابق معرفة بها، فعندما نريد تخيل شخص لم نره من قبل، فإنه يصعب على العقل الإتيان بذلك بدون مساعدات خارجية، فمثلا كونه إنسانا فإن له وجها، وبناء على من يصف لنا فلون بشرته بلون شخص نعرفه، وأرنبة أنفه مثلما ذكرها شخص آخر، ويكون شعره مثل وصف سمعناه أيضا، وهنا يعمل المخ حثيثا ليقوم بتركيب الصور المختلفة على وجه وجسد واحد حتى نصل إلى الشخص المتخيل، بدرجة قد تكون قريبة جدا، وحسب المعلومات، التي نستقيها بالسماع أو القراءة أو المشاهدة لشخص بديل. ولإكمال الحديث عن المتخيل غير المعروف، وكيف أنه يصعب بل يستحيل تخيله، أطلب منكم جميعا تخيل (كراكيش)!.
فكيف ستتمكنون من تخيلها وهي مجرد كلمة، لا يوجد حولها أي تلميحات أو مساعدات تسمح لعقولكم بتخيلها؛ فهل هي بشر، حجر، ثمر، طحلب، جرثوم، حيوان، مكان، زمان، مادة، عمل...؟!
انظر كيف تبقى غير قادر على التخيل، لما لم تسمع وصفه من قبل.
حتى في الحلم، يحدث هذا التفاعل العجيب في خلايا المخ، لتعطينا صورة غير مختلقة بالكامل، ولكنها مدمجة من ملايين الصور القديمة، تجعلنا نعيث بالخيال كما يحلو لنا، ودون أن نمسك مطلقا بالحقيقة الغائبة.