العنقاء الحديدية

قالت لي وهي تشير إلى أحد المباني: «يقولون أن هتلر قد أمر بعدم قصف هذا المبنى لجمال نمطه المعماري القوطي».

كنا نمشي وسط مدينة مانشستر، التي ازدانت بالمباني جميلة التصميم، وبعضها مثل هذا المبنى، قد حاول إحياء العمارة القوطية، تلك الحركة التي ازدهرت في العصر الفيكتوري.
كانت إشاعة ذائعة، مثلما قالت لي صديقتي الإنجليزية، تقال على العديد من المباني في المدن البريطانية على طول الجزيرة العجوز، ولكنها في مانشستر تكتسب ألقا خاصا: لقد كانت أكثر المدن البريطانية تعرضا للقصف في أيام الحرب العالمية الثانية، فحينها، تحولت مصانع مانشتسر، المدينة الصناعية الأولى في العالم تاريخيا، إلى الإنتاج الحربي، فلم تتوان طائرات النازي في قصف المدينة بما يقارب 476 طنا من المتفجرات، إضافة إلى ما يقارب 73 ألف قنبلة في ثلاثة أيام وليال متتابعة من 22 إلى 24 ديسمبر 1940، مدمرة عددا مهولا من المباني والمستودعات والمصانع
تقريبا لقد دمرت مانشستر في حينها.
ولكن المدينة التي تشبه العنقاء قامت من كبوتها سريعا، فكما ماتت مرتين، كمبان في أيام النازي، وكموات في نشاطها الاقتصادي عقب الحرب، في المرحلة التي عرفت بتفكيك الثورة الصناعية، تمت إعادة بناء أجزائها المحطمة من جديد، وبحلول التسعينات كانت قد بدأت نهضة شاملة جعلتها المدينة الثالثة في الدخل القومي على مستوى المملكة المتحدة، وأسرع مدنها نموا في 2011
لم يخل الموضوع من بضعة منغصات: فكما كانت النهضة عظيمة، استدعت أيضا بناء العديد والعديد من المباني الحديثة في كل سنة جديدة، هذا بالطبع ليس أمرا سيئا، ولكن السيء هو أن ترى العديد منها وقد استطالت كمكعبات الإسمنت والزجاج، فيما يعتبر إهانة لبعض المباني القديمة البديعة المتناثرة هنا وهناك.
وقبل أن يشطح بنا الخيال، ونتخيل مدينة قبيحة ذات معمار حديث مصمت، يمكنني أن أذكرك بحقيقة مهمة، توجد في مانشستر كما توجد في العديد من المباني الأخرى على امتداد المملكة المتحدة: عندما ترى محلا حديثا في بناية قديمة جميلة، يسترعي انتباهك اختفاء اللافتات الزجاجية الكبيرة، ذات الألوان الفاقعة، التي تميز هذه المحلات، لا سيما المطاعم والكافيهات الشهيرة، وعوضا عن ذلك، يثبت ملاك المحل الاسم بالفونت المشهور، ولكن في مساحة فارغة في صلب المعمار القديم، وبلون لا يختلف عن لونه. قالت لي صديقتي إن الأمر هنا قانون صارم بعدم تشويه المباني التاريخية بخربشات العولمة الحديثة. فكرت في مدينتي القاهرة، وحيث ولدت وعشت في وسطها، الحي الأوروبي بعمارته البلجيكية والإيطالية، وداخلني شعور ما بالحزن على حالة المباني هناك، وبعضها آيات ناطقة بالجمال والأبهة، وحتى في طرق التحديث والتصميم، لم يخل الأمر من استهانة عظيمة بالجزء الإسماعيلي الأوروبي من المدينة. وقبل أن يشطح بك الخيال مرة ثانية في تخيل النعيم والتنسيق الأوروبيين، فأحب أن أقول لك إن مانشستر هي المدينة التي كانت مسرحا لرواية «أيام عصيبة» للعظيم تشارلز ديكنز، بكل بؤسها وميكانيكيتها، وهي تتحمل تلك السمعة التي ينشرها الإنجليز. الجنوبيون، أبناء لندن وكنت، عن الشمال المقبض المظلم الكئيب. هي المدينة التي كانت الأولى في إنشاء السكك الحديدية، والأولى -كما ذكرت آنفا- كمدينة صناعية، وقبل أن تكون الآن من قائمة المدن الكوكبية (التي تحتل مكانا متمايزا في سياق اقتصاد العولمة) كما تفيد الإحصائيات، مرت بأوقات عصيبة بالفعل كما قال العظيم ديكنز، ومر عمالها بكثير من التعب والمعاناة، وشاطرت البريطانيين «العرق والدموع» مثلما قال رئيس الوزراء البريطاني الأشهر تشرشل عن بريطانيا وقيادته لها في الحرب العالمية الثانية.
مانشستر أيضا هي إحدى الأماكن التي اشتهرت بالموسيقى والفرق الغنائية، يكفيك أن تعلم أن فريق أوايزيس المشهور جاء من هنا، وحركة موسيقى الإيندي في الثمانينات جعلت العديد من الفرق الشهيرة، تكني بـ «المادشستر». في مانسشتر أيضا يوجد الأولد ترافورد، الاستاد العتيد للفريق الشهير جدا مانشستر يونايتد، أو المان يونايتيد كما يطلق عليه اختصارا، والذي لم يتوقف عشقه عند الرجال فحسب: ففي أثناء تلبية دعوة كريمة على العشاء أنا وصديقتي لدى أسرة إنجليزية مضيافة، قادتنا ربة المنزل إلى غرفة نومها الخاصة، لترينا بفخر شديد صورتها مع كأس الدوري الإنجليزي الذي اقتنصه المان يونايتيد كعادة من عاداته الأثيرة. كانت السيدة تنظر لنا بابتسامة فخر واسعة، وكنت أنا ابتسم مجاملا ومندهشا في ذات الوقت.