الوحدة المقدسة شعار تعبوي أوروبي لخوض حرب شاملة
الجمعة، ٢١ فبراير ٢٠١٤
أوجدت الحرب العالمية الأولى حالة تعبئة عامة لدى الدول الأوروبية وشعوبها، من جنود ومدنيين، رجالا ونساء وأطفالا، ونقابيين وفنانين وعلماء، متناسين كل اصطفافاتهم السياسية لصالح “الوحدة المقدسة” في هذه “الحرب الشاملة” غير المسبوقة في التاريخ
“لا شيء سيكسر الوحدة المقدسة للفرنسيين في وجه العدو”
بهذه الكلمات خاطب الرئيس الفرنسي ريمون بوانكاريه شعبه في 4 أغسطس 1914
من جهته قال غيوم الثاني “لم أعد أعرف أحزابا، لا أعرف إلا ألمانا”، في وقت شهدت فيه بريطانيا “هدنة الأحزاب”
وفي فرنسا تجلت هذه الحماسة الوطنية بشكل قوي في بداية الحرب، فحتى الفرقاء السلميون مثل الاشتراكيين مارسيل سيمبا وجول غيد انضما إلى الحكومة
وفي كل البلدان تم التصويت على ميزانيات الحرب من دون صعوبة، والأصوات المسالمة القليلة تم تجاهلها، على الأقل حتى عام 1917، عندما تسبب طول أمد المعارك التي تحولت إلى حرب استنزاف ونموذج الثورة الروسية بإضرابات وأحيانا بأعمال شغب، مما أسفر عن تصدع حالات الوحدة المقدسة
وهذا مرده إلى أن كل المتحاربين، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا، استنفدوا كل قواهم في المجهود الحربي
كما أنه جرى اعتماد سياسات تقشفية كبيرة لتوفير مستلزمات الجيوش، في تدبير ترافق مع تعزيز كبير لدور الدولة، وأحيانا، كما الحال في الإمبراطوريات المركزية، بسيطرة مباشرة على الموارد المتوافرة
واستلزم الأمر القيام بكل ما أمكن لتأمين إنتاج الأسلحة والذخائر
وبحسب أستاذ التاريخ الفرنسي جان ايف لو نور، فإن الحرب العالمية الأولى كانت “الحرب الصناعية الأولى”
وأشار لو نور إلى أن الدولة “تولت على عاتقها الإنتاج من خلال توزيع الطلبيات والواردات ومراقبة هوامش الشركات وطرح مواد للاستهلاك اليومي في الأسواق”
وأدى استنهاض القوى الاقتصادية إلى عقلنتها وبات منهج تايلور أو نظرية الإدارة العلمية، منهاجا رائجا في المصانع
وفي ألمانيا، بدت عسكرة الاقتصاد أقوى مما هي في البلدان الأخرى
فقد أكد الماريشال هيندنبورج الذي أطلق في عام 1916 برنامج “استنهاض كامل” لليد العاملة الممكنة، أن “الشعب بأكمله يجب إلا يعيش إلا لخدمة الوطن”
وكانت فرنسا في تلك الفترة بلدا يعتاش بشكل رئيسي من الزراعة، واندلع النزاع في عز موسم الحصاد
الرجال ذهبوا إلى الجبهات، والنساء تولين تنفيذ المهام الزراعية عنهم، وتولين بمفردهن حراثة الحقول
وبات على النساء أن يحللن “في ميدان العمل مكان الموجودين في ساحة المعركة”
واحتاجت البلاد إليهن أيضا في الصناعة والإدارات والمدارس
وظهرت بذلك صورة النساء العاملات في مصانع التسليح واللواتي جهدن على صنع القذائف برواتب أدنى من تلك التي كان يتقاضاها الرجال
وقد انعكس هذا المنحى الأنثوي في الحرب على النفوس، مما دفع بالبعض إلى القلق من أولئك النسوة ذوات الشعر القصير واللواتي كن يرتدين البنطال ويدخن السجائر
وقال أحد المحاربين الرجال بعد الحرب “لقد تركت نعجة وعدت لأجد لبوة”
ولم توفر هذه التعبئة الوطنية الأطفال، حتى إن “واجباتهم المدرسية”، بحسب أستاذ التاريخ الفرنسي أندريه لويز، تحولت إلى فروض لكيل المديح للجنود أو لحساب إنتاج القذائف
وأشار جان ايف لو ناور إلى أن فروض الإنشاء باللغة الفرنسية تناولت مواضيع مثل “العلم المجروح”، أو “رسالة إلى جندي على الجبهة”
وكانت الدعاية السياسية والرقابة العسكرية موجودتين في كل مكان
وتولت القيادة الألمانية مهمة “التنشئة الوطنية” للجنود
وحاولت قوات الحلفاء من ناحيتها جذب الجنسيات المختلفة من إمبراطورية النمسا - المجر
وفي كل البلدان تكاثرت بشكل كبير المنشورات المصورة (كالملصقات والرسوم الكاريكاتيرية والبطاقات البريدية) التي تذكر السكان بالعمل الدؤوب للجنود وبالفظائع المرتكبة من جانب العدو وبواجب المشاركة في المجهود الحربي
أما الذين تمردوا على هذه التعبئة للنفوس فكانوا قلة
وقد جاء رسم كاريكاتيري في جو الشحن الوطني السائد حينها ليلهب كل الصحف، إذ اقترحت صحيفة “لو كانار انشينيه” الفرنسية الساخرة التي تم تأسيسها في عام 1915 اختيار “كبير زعماء قبيلة غاسلي الأدمغة”، لكن حتى النقابيون والمفكرون أو حتى العلماء لم ينجوا من الحمى الوطنية التي أصابت أوروبا
وقدم الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون الحرب على أنها مكافحة “للحضارة ضد الهمجية”
ورد 93 مفكرا ألمانيا بعد ذلك بفترة وجيزة للدفاع عن موقف بلادهم، في نداء وجهوه إلى “العالم المتحضر”
ووضع اختصاصيون في الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء وأطباء خبراتهم في خدمة بلادهم لصنع أسلحة جديدة أو ابتكار وسائل جديدة للحماية
وفي الجانب النقابي، تلاشى الصراع الطبقي في كل مكان أمام المجهود الحربي، أقله عند بداية النزاع
وكتب أستاذ التاريخ الأيرلندي جون هورن “لقد شارك العمال في الحرب بصفتهم مواطنين - جنودا، لا بصفتهم الإنتاجية”
وفي فرنسا، انضم الاتحاد العمالي العام، رغم ميوله السلمية المناهضة للعسكر، إلى “الوحدة المقدسة”
وأرسى الأمين العام للاتحاد ليون جوهو تحالفا بين “الطبقة العمالية” و”جنود العام 2” (من الروزنامة الثورية) ودعا إلى محاربة “أباطرة ألمانيا والنمسا - المجر، إقطاعيي بروسيا وأسياد الإقطاع النمساويين الذين أرادوا الحرب كرها بالديموقراطية”، بحسب جون هورن
وقام الكاثوليك الفرنسيون، باسم الدفاع عن الوطن، برص صفوفهم وراء الجمهورية “الملحدة” على الرغم من مطالبتهم حتى تلك الفترة بإعدام المسؤولين عنها
وفي ألمانيا، حصل ارتباط مشابه بين الدين والقضية الوطنية، وحمل الجنود شعار “الله معنا” على أحزمتهم
وحاول الفاتيكان منع وقوع مجازر، إلا أن نداء البابا بنديكتوس الخامس عشر في ديسمبر 1914 لم يجد أي صدى، فقد طغت قرقعة السلاح على ما عداها من الأصوات