هيئة الطيران البدائي
الأحد، ١٧ يناير ٢٠١٦بعض الأخبار حين تسمعها في عصرنا الحالي تشعر فجأة أنها تعود بك إلى عصور غابرة وماض سحيق، حيث كان الناس مصنفين أسيادا وعبيدا، وحين كان ذو السلطة يمسك سوطا ويصرخ بالأوامر ذات الشمال وذات اليمين، فتجد نفسك تنظر حولك ومن ثم إلى شاشة جهازك، وتشعر بذلك التناقض العجيب بين ما نعيشه الآن من تحضر الإنسان، وتطور علوم التواصل وازدهار حقوق الإنسان، وبين تلك الأخبار التي لا تعقل في دولة متحضرة، ولا تنتمي إلى تعاملات القرن الواحد والعشرين.
هذا بالضبط ما شعرت به وأنا أقرأ ومن ثم أستمع لمعاناة موظفي الهيئة العامة للطيران المدني، التي استيقظ مسؤولوها فجأة ذات صباح ليكتشفوا بعد أعوام مديدة من تأسيس واستقرار الهيئة في مدينة جدة، أن رطوبة ساحل البحر الأحمر أصبحت مزعجة.
وعليه فالأدعى نقلها إلى منطقة جافة الطقس، مركزية الطابع كالرياض، لتتحسن صحتهم وتتجدد نفسياتهم.
أوه، حسنا! هناك مشاكل صغيرة، أولا: ماذا سيفعلون بالعقبات التنفيذية والتشغيلية - ومنها المبنى الذي قارب على الانتهاء - والتي ستسبب إهدار الكثير من الموارد التي تحاول الدولة الآن الحفاظ عليها وتقنينها؟
ثانيا: ماذا سيفعلون بحوالي ثلاثة آلاف موظف لهم حياتهم، وعوائلهم، ومصالحهم، وظروفهم، واستقرارهم، والأدهى لهم حقوقهم وإرادتهم؟ ترى أيجدر تضييع الوقت في دراسة القرار وآلياته ومغباته المعنوية والمادية، والمغامرة باكتشاف عدم منطقية رغبتهم واستحالة تنفيذها دون عواقب وخيمة؟ ترى أيخاطرون بزعزعة سلطتهم باستخدامهم لآليات إدارة التغيير الحديثة من خلال إشراك الموظفين والعاملين في الهيئة في القرار والأخذ في الاعتبار كفاءاتهم، وآراءهم، وخبراتهم، والأهم إنسانيتهم؟ ولم كل هذا التعقيد؟ كل ما عليهم هو اجترار أحد مقومات العهد القديم، ألا وهي سلطة القوة، متناسين أو متغافلين أن مكتسبات عقود من التحضر والمعارف حولت القوة من صاحب السلطة إلى الرأي العام، ليصبحوا هم السلطة الحقيقية.
لن أدخل في تفاصيل كثيرة أو أتحدث عن تجاوزات وقضايا فساد أخرى للهيئة، فهذا ليس مكانها، فلهذا المقال غرض محدد ورسالة واضحة، وهما أن لكل زمن قواعده وأدواته ولغته وأساليبه، لذا فأسلوب الجبر والضغط والترهيب بالفصل لن يعود عليكم إلا بمزيد من الخسارة على الجميع.
فبالله عليكم ماذا تتوقعون من موظف مستباح الحق، مجبور الفعل أن يؤدي في عمله؟ بالإضافة إلى أن الهيئة وغيرها من مؤسسات الدولة هي مكتسبات وطنية أسست لخدمتنا، وعليه فنحن نذود ونقف ونسخر كل ما نستطيع للدفاع عنها، والدفاع عن الإنسان الذي هو أساسها.
heba.
q@makkahnp.
com