لحماية اللغة العربية

في لغتنا: إن كل العاميات في البلدان العربية نتاجات مشتقة من لغتها التاريخية، القديمة والحديثة، كما يدل عليه أدب الأزجال والموشحات وكلمات الأغاني؛ والذين يدعون خلاف ذلك لا علم لهم بهاته ولا بتلك، ولا باللسانيات المقارنة، فتراهم يصرفون جهلهم لـمّا يعزون تدهور منظومتنا التعليمية والهدر المدرسي إلى عدم اعتماد الدارجة في التعليم الأولي. ولو أنهم جربوا دعواهم على عينات تعليمية لرأوا بأم أعينهم عبثها وفسادها.
إن مصطلح «لغة الأم»، الذي يتحجج به البعض، مطعون فيه علميا، وإعماله يقصي الأب والزواج المختلط ويجزئ البلاد إلى جهات وأقاليم وجماعات وما دونها. اللغة بشقها المقعد نحويا وصرفيا وتركيبيا وبشقها البياني والمفاهيمي (وهي مدخل القراءة والتثقف) لا تعلمها الأم بل المدرسة بكل أسلاكها وأطوارها، وهي وحدها القادرة على تلقين وصيانة لغة الآداب والفكر، وتحفظ الجسور مع المحيط الجغرافي والثقافي. أوجب الواجبات اليوم يقضي بحماية اللغة العربية وصيانتها من حملات التهجين والتبخيس، وذلك بدءا باستصدار قانون ومراسم كيما تصبح تلك الحماية مفعِّلة لرسـمية اللغة العربية المدسترة.
نعم العربية، لغة وثقافة، وأنطق بها هكذا، تماما كما يسمي، مثلا لا حصرا، سكان أمريكا الجنوبية قارتهم باللاتينية، نسبة إلى اللغة الإيبيرية، أي البرتغالية في البرازيل والإسبانية في كل بلدان القارة الأخرى؛ وفي الولايات الأمريكية المتحدة، كما نعلم، لا ترسيم للغتها ما دامت هي قوام اتحادها ومعطاها الطبيعي... إن اللغة العربية، ككل اللغات، هي حاوية ثقافتنا وعمود هويتنا الفقري. ولهذا هتف الراحل محمود درويش «أنا لغتي»، وقال ألبير كامو عن فرنسيته إنها وطنه. وبالتالي فإن أيّ إخلال بوضعها الاعتباري هو بمثابة مدخل إلى تبخيس ما ننتجه بها ونبدعه في الآداب كما في العلوم الإنسانية وغيرها.