إعادة النظر في أولويات الخطاب الديني
الخميس، ٢٠ فبراير ٢٠١٤
القارئ للخطاب الديني لدينا يجد أن مقولاته واهتماماته لم تتغير منذ ثلاثة عقود، فما زال الخطاب في خطب الجمعة، والمحاضرات الدينية، وفي وسائل الإعلام، وفي كتابات المعنيين به في الانترنت محصورًا بعدة قضايا يتمحور حولها (بعض الأحكام الفقهية التي فيها خلاف بين الفقهاء؛ فهو يعيد ويكرر نصرة لأحد الأقوال الفقهية، ووصف من خالفه بتتبع الرخص، واتباع الهوى، وقضايا المرأة فهو يتشدد فيها كثيرا، والانخراط بمحاربة ما يراه تغريبًا، والدخول في صراع طائفي، والتهويل من وجود مؤامرة علمانية) وقد أنتج ذلك كله لدينا ذهنية دينية مسكونة بالارتياب؛ تشعر أنها مستهدفة، وهذا ما جعل أسلوب الخطاب الديني يتخذ الطابع السجالي المتوتر الحاد، الباحث عن (الانتصار وسحق الخصوم) بعيدًا عن (روح التدين)، وفي يقيني أن تحديات الواقع المعاصر، والتغير الهائل في المفاهيم والأفكار في ظل عولمة الثقافة، يستلزم إعادة النظر في منهجية وأولويات الخطاب الديني ليواكب التحديات الهائلة التي تواجهه في عالم اليوم، ومن هنا فهو مطالب بإعادة النظر في أمور منها: الأمر الأول: إعادة النظر في منهج الاستنباط من النصوص المبني على الحرفية في التعامل مع النص؛ وخاصة في غير الجوانب العبادية، وذلك بتفعيل المنهج المقاصدي في التعامل مع النصوص، وقراءة السيرة العملية للرسول صلى الله عليه وسلم، وجيل الصحابة، وذلك لتستوعب دلالة النص الشرعي كل المستجدات، والأمر الثاني: ترتيب الأولويات التي يهتم بها الخطاب الديني فيجب توجيه الاهتمام اليوم إلى كليات الدين وأركانه وثوابته المجمع عليها بين كل فقهاء الأمة، والتي تشكل عماد الدين، والكف عن الانخراط في تجييش الجمهور المتدين لنصرة أقوال فقهية تسهم في بث الشحناء والفرقة، والانخراط في صراعات طائفية تستنزف مقدرات الأمة؛ لأن المعركة التي يواجهها المسلمون اليوم معركة وجود قبل أن تكون معركة تفاصيل دينية، ولهذا يجب أن تكون المشاريع الدينية والمناشط الدعوية موجهة إلى الاهتمام بهذه الأمور العظيمة، والأمر الثالث: إيلاء الجوانب الإنسانية عناية خاصة في الطرح الديني، وذلك بتفعيل منظومة القيم الأخلاقية كـ(الصدق، والرفق، والعفو، والتسامح، وحسن الظن، وحسن المعاملة، والاحترام، وحسن الكلام، والتعاون، والعطف) في التعامل مع الوالدين والأقرباء، والنساء، والجيران، وفي التعامل مع الناس جميعًا المسلم منهم وغير المسلم، وهو ما يغذي جانب (التدين الحقيقي) الذي يدفع المسلم المتدين للإيجابية في حياته تجاه من يعاشرهم.
والأمر الرابع: إعادة النظر في أحكام ملف التعامل مع الآخر المسلم والآخر غير المسلم، فجل أحكام هذا الملف كتبت في عصور كانت الصراعات بين الأمم والمذاهب على أشدها مما كان له أثر في تدوين أحكام وضوابط هذا الملف، وفي ظل التغير الجذري لعالم اليوم يجب أن يتوافق معه إعادة النظر في هذا الملف الشائك، الأمر الخامس: إحياء فقه الخلاف الديني وذلك بطرح الأقوال الفقهية المختلفة في المسألة الواحدة، وتعويد الناس على سماع الخلاف الفقهي ليستوعب الجمهور سعة الدلالة الشرعية وعدم اقتصارها على رأي مذهبه؛ مما يولد تسامحا وسعة أفق عند الجمهور المتدين تجاه المخالفين له في الرأي أو المذهب.
إن مهمة المعنيين بالخطاب الديني خطيرة جدًا؛ فهم يشكلون (سلطة) ذات نفوذ هائل في مجتمعنا؛ لها اليد الطولى في صنع المفاهيم، وتشكيل الذهنيات تجاه الواقع أفكارًا، وأحداثًا، وشخصيات، وعليها يقع غالب الملام فيما نعاني منه من تطرف في التعامل مع الآخر، وشيوع روح التعصب لأقوال فقهية، والانخراط في صراعات مذهبية، وفي شيوع ذهنية الارتياب من كل جديد، وغياب روح التدين الحقيقي لدى فئات كثيرة من المتدينين، والمنتظر أن تسري في أوساطهم روح النقد الذاتي مما يساهم في معالجة مثل هذه الظواهر.