ليس للإيجار ولا للبيع
الأربعاء، ١٣ يناير ٢٠١٦لقد حصل على منزل جديد جميل حميم المواصفات، فكأنه هو من صممه بنفسه، وبالمميزات التي كان يحلم بها ويتمناها في مسكن العمر.
صحيح أن البيت كان ما يزال بحاجة لبعض اللمسات البسيطة، والرتوش التكميلية، وأثاث عصري متطور يتناسب مع حجراته، واحتياجه لأضواء تتناسب مع زواياه وانحناءاته وسقوفه، ثم إنه كان بحاجة لبعض الستائر، التي تحميه من أشعة الشمس، ومن أعين المتطفلين والحساد، وكان بحاجة إلى نظام إغلاق مكين يمنع (الملاقيف) واللصوص من الوصول إلى مقتنياته وأسراره وحرماته.
ولكن المالك - سامحه الله - لم يقدر النعمة حق قدرها، فتكاسل وأهمل وفرط، ولم يكمل مسار عمار وتشطيب وتهيئة منزله بنفسه، واختار أسهل الطرق، فقذف به لأول مستأجر أغراه بالثمن، بعد أن أقنعه بأنه سيقوم عنه بتأثيثه بأجود الأثاث، وتجهيزه بما عجز هو عن القيام به.
لقد وثق المالك بالمستأجر، وكان يحلم بأن يعود إليه منزله بعد فترة الإيجار بشكل أجمل وأقوم وأعظم من حالته الأولى، فاستراح للفكرة، وخلد للراحة انتظارا للفائدة العظيمة.
وعذره الواهي أنه قد اختار ساكنا ظن أنه المؤمن الأمين الحريص الصادق المؤتمن.
ولكن الأيام أثبتت له بأن ذلك الساكن غير ما كان يتوقع، فظل يختلق الأعذار مدعيا ضرورة إجراء تغييرات بسيطة في الأساسات، وهدم بعض الجدران، وفتح أبواب جديدة، وقفل بعض النوافذ، وتقسيم الغرف.
شهور بسيطة كان فيها البيت يتغير، ويتحور، والساكن يبدع بالتبريرات ليبدل ويغير ويؤجر أجزاء منه، ويبني الملاحق والغرف العشوائية في الأحواش وفوق السطوح، حتى إنه قام بتأجير القبو وبقية الغرف في الداخل مما جعل الوضع يصبح عشوائيا ومتداخلا ولا يمت للصورة، التي كان يتوقعها المالك بحال من الأحوال.
لقد أجر المالك ملكه لغيره فحصلت الكارثة بأن البيت أصبح خرابا، ومكبا للقمائم، وعاثت وسطه الحشرات والقطط والكلاب الضالة.
وفي نهاية فترة العقد، لم يرض المستأجرون وواضعو اليد بالخروج من بيت تركه لهم مشاعا بلا حرص ولا عقلانية.
وأظن الكثير منكم فهموني؛ فأنا لم أكن أتكلم عن عقار!.
وحديثي كان عن عقل كان يمتلكه صاحبه بالكامل، وكان يمكن أن يكمل رتوشه بنفسه ليحيا حياة سعيدة بامتلاكه.
ولكنه بتراخيه وتساهله وإهماله قام بتأجيره لغيره ممن عاث فيه فسادا.
الحمد لله على نعمة العقل، خصوصا عند من يعرف كيف يصونها، ولا يسمح لأي كان بامتلاكها أو استئجارها؛ العقل هبة وهبنا إياها الخالق جلت قدرته، ومن نكبات الحياة، والآخرة أن نؤجره لمن يحشوه بالمعلومات المؤدلجة، التي نظن أنها سليمة أمينة، ثم لا نجد عقولنا بعدها إلا محشوة بالإرهاب والظلام والظلم.
حصنوا بيوتكم، واصنعوا ما فيها بأنفسكم، ولا تهملوها، وأعلموا أن الأشرار يمتلكون الثمن بألسنة كالحرير، وكلام يغري بالجنات.
وصدقوني فمهما كان ثمن الإيجار أو البيع مغريا، إلا أنه لا يستحق ساعة ندم.
shaher.
a@makkahnp.
com