حتى الرافعات نصبوها مشانق
الثلاثاء، ١٢ يناير ٢٠١٦
لكم أتمنى لو كان لدي القدرة على تعلم الفارسية، والوصول إلى الداخل الإيراني، للاستزادة، ولفضح خفايا ما يحدث هناك، تحت غطاء حكومة استخدمت الدين بأبشع صوره، وضمن ثورة سلطوية ابتدأت مع رجوع الخميني وطرد الشاه؛ ثورة استمرت وانتشرت في كل مكان تصل إليه الأيادي الفارسية، إلا في الداخل الإيراني، والذي تم تكريس التعتيم العجيب على ما يحدث فيه، وإنكار ما يعانيه من ويلات، وظلم، وتسلط.
والحقيقة أنه لا توجد وسيلة لمنع تطلعات وأطماع الدولة الفارسية خارجيا، إلا بفضح ما يحدث في الداخل الإيراني، وجعله كتابا مشرعا، ومحورا لتقصي لجان حقوق الإنسان، ومركزا لاهتمام القانون والعدل الدولي.
وفي سابقة نادرة استطاعت صحيفة «جارديان» البريطانية أن تفضح جزءا بسيطا مما يحدث في السجون الإيرانية، حيث تقبع عشراتُ الفتيات القاصرات في الزنازين بانتظار تنفيذ أحكام إعدام صادرة بحقوقهن، في قصص كوميديا سوداء قامت الصحيفة بنشر تفاصيلها، وبما يشبه الأساطير، بغباء وظلم حكم العمامة، الذي ينظر بسطحية للقضايا، ويصدر الأحكام المغلظة، تحيق بالمظلوم، وتترك الظالم، والمظلوم هنا هن هؤلاء القاصرات، اللواتي قد يكن اقترفن بعض الذنوب، ولكن عقوبتهن لا تصل إلى الإعدام، مثل السرقة، والهروب من البيت، والشبهة في تعاطي المخدرات، وغيرها مما يصعب تصديقه أو عقد المقارنة فيه بين الذنب والحكم، خصوصا وأن الفاعل قاصر.
هذا جانب من جوانب التعتيم الحكومي الإيراني، وتم اختراقه، على يد الصحافة البريطانية، ولعل تلك الاختراقات أن تستمر وتتكرر، ليتم تبيان حالات الظلم والخوف الاجتماعي، التي يعاني منها الإنسان الإيراني، والذي يعجز عن توصيل صوته إلا بعد الهروب من بلاده، وكل ذلك يندرج تحت جبروت العمامة، والتي لا يستطيع أحد أن يهزها، أو يشكك في أحكامها.
حكومة الملالي تمكنت خلال فترة حكمها من إعدام عشرات الآلاف من المتهمين الإيرانيين، بمن فيهم من تقف القوانين الدولية ضد إعدامهم، فالمادة السادسة للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تقرر بعدم جواز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفيذ هذه العقوبة بالحوامل.
ونفس القانون موجود في «اتفاقية حقوق الطفل» بالأمم المتحدة 1990م.
وما دامت هذه الدموية والتوحش تطبق على أبناء الشعب الإيراني ذاته، فلا عجب مما تفعل الحكومة الإيرانية في المناطق، التي تصل إليها أياديها، كما في العراق وسوريا في الوقت الحالي.
وحتى التقنية الحديثة، والتي تستخدم للبناء والإنشاء تمكن الملالي من تطويعها لظلمهم؛ فتظل الرافعات الونشية تدور على المدن والقرى الإيرانية لتعليق الرقاب عليها، في مناظر وحشية همجية لا تعرف أي معنى للتحضر والإنسانية، وفي انتهاك وإهانة لقيمة الإنسان، والحياة؛ فكأن الشيطان هو من يصدر أحكامه من تحت عمامته السوداء، التي تصيب الجميع بالذهول، وتقطع اللسان، وتعمي الأعين.
لقد آن للسياسة الإيرانية الداخلية أن تنكشف أعمالها، وأن يصل صوت الشعب المغلوب على أمره للعالم، وأن تقوم الثورة، ليس بالشكل الذي ترسمه العمامة، ولكن بالشكل الذي ينزع العمامة، عن مكانها، ويعلقها على حبال الماضي، فيعود للشعب الإيراني، سلامهم وعدلهم، وإنسانيتهم، ورقيهم السابق.