الأكثرية.. مرة أخرى

وصلاً بما سبق في الأسبوع الماضي، من حديث عن ملامح ظاهرة الأكثرية، وفرسان ميدان الوعظ الأكثر تأثيراً واستقطاباً واجتذاباً لتلك الأكثرية، واقتناصاً يبلغ درجة الانتهازية، والعزف على وتر العاطفة، والتعبئة النفسية والتأجيج، نجد أن جلّ أولئك لا ينطلق من تأسيس علمي لذاته، أو تأصيل لخطابه ورؤيته، ولا يجاوز رصيدهم العلمي، رسائل ومطويات ملونة تشكل موضوعات تتناغم واستشعار الجمهور ومحط اهتمامه من الغرائب والعجائب، أو المثالب التي رأوها في المجتمع، فذهبوا يحذرون تارةً...، أو يرغِّبون بما يرونه خلاصاً منها.
ثم لا تعجب، إذا ما رأيت مؤلفاتهم تتصدر قائمة الأكثر مبيعاً، ولا تعجب إذا ما تكاثرت أوراقهم فصارت بالمئات من صيد الخواطر، ورصيدها، ولا بأس في اجتزاء نصوص من كتب، أو المجاهرة بالسطو على أخرى. ولا عجب إذا ما أُوكل أمر الإعداد والجمع لفريق من الكتبة يتصيدون للشيخ -الأكثر رواجاً- قصصاً وقضايا وأخبارا، ويقدمونها إليه ممهورة باسمه ورسم وجهه، فكله مقبول، وقد أضحى المؤلف الافتراضي مقصد الجمهور، ورهان الأكثرية
فالقراء جاهزون، يسابقون الزمن لتسجيل أرقام فلكية في رصيد شهرة وانتشار ومقروئية المؤلف. وليس لأحد حق مصادرة حق الجمهور في اختياراته، وليس له وصاية على توجهاتهم وما يبتغون. فقط نتساءل عما أضافته ظاهرة كتلك للمعرفة؟
وما قدمته في سياق الوعي الديني والسلم الاجتماعي، واللحمة الوطنية، والعقلانية في التعامل مع التحولات والمستجدات على الصعيد العربي والإسلامي، وقضايا الإنسان الملحَّة داخلياً؟ والحاصل، أنها في موقع الضد من ذلك كله
وليس ما سبق من قيم ومقاصد وأحوال، في وارد اهتمام تلك الأقطاب، التي كان ثمن رصيدها من المال والشهرة والجماهيرية، مزيداً من الاصطفاف والتشرذم. وبذلك تُغيَّب الأصوات الصادقة، والخطابات والجهود المتزنة، والرؤى التنويرية، التي بالإمكان أن تحقق توازناً في ميدان بلا ضوابط، وأن تكبح بالحجة والتعاطي المنهجي، وبمسؤولية دينية ووطنية، جماح تطلعات لا سقف لها، تخدعها الأكثرية، وتعمي بصيرتها أكثر، تجاه الانزلاق في شرك لا يتبين فيه أحد موطئ قدمه.
...وفي الحديث الشريف، أنه لما سُئل عليه أفضل الصلاة والسلام: (.. أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال لا: ولكنكم غثاء كغثاء السيل) وكان ذلك في معرض استشرافه عليه السلام لحال الأمة بعده، وقد تداعت عليها الأمم، وذلك حاصل لا ريب، بفعل جهل الكثرة، وتواطؤ رموزها على العقل الجمعي، وتقفيصه في دائرة ضيقة من الإلزامات، وهي وإن كان ظاهرها التمسح بظاهر الدين، فهي تنتقي منه ما يجعل الناس أسرى لهذا الفهم أو ذاك
وتوجيهاً لنظم وآداب وقواعد الشريعة لما يتصوره من جعلوا أنفسهم أوصياء عليها وعلى الناس، ومن جعلوا الدين دائرة اختصاص وظيفي، لا يقارب قضاياه إلا من سار في ظلال فهمهم، وأعاد تكريس منظورهم، وتأكيد رؤاهم والاعتداد بهم مرجعية تمنح عباد الله المنح والمكرمات بالقرب من الدين أو البعد عنه. فصار وصف الملتزم، مرتبة وضعوا شروطها، واختاروا إطارها الشكلي، ومن ثم فهي تنفي آلياً كل ما عداها. وبذلك أوجد أولئك أبرز مظاهر الفرز المجتمعي والتصنيف، التي عانى منها المجتمع كثيراً، وانشرخ في عمقه، فتمكنت من بنيته نزعات الإقصاء والكراهية والتمذهب، واستفحل وهم الأكثرية المهتدين، وما عداهم في موقف الضد من ذلك.
فلم تعد تسمع في هذه الدائرة الضيقة آية من كتاب الله، أو حديثا عن رسوله، بل تعبد بما قاله الشيخ وما وافقه فيه الآخر، وأصبحت النوادر التويترية، وما في حكمها من المسطور في كتبهم، هي المرجعية الدينية الآكد والأكثر نفاذاً وتأثيراً في المجتمع. وتتوالد ظاهرة كهذه ويتعمق رسوخها في ظل سعي دؤوب من مجموعة الأقطاب نفسها، إلى تسفيه أو تقليل من شأن محاولات تأصيلية جادة وصادقة تقارب المطارح ذاتها، دون تغييب الواقع، ودون استغفال المجتمع، ودون استلاب حريته التي منحته إياها الأديان كافة، ودون الوصاية على ما بينه وبين ربه، ودون محاكمة النوايا، والارتهان للمظاهر والقشور، واطراح الجوهر والمقاصد العليا للدين.