بلا استقلالية

أخذ الجدل الفكري والديني والاجتماعي في المشهد العربي طابعا حيويا نتيجة التحولات التي طرأت عليه من ثورات الربيع العربي وتصدي النخبة بكل جرأة لما يجري في مجتمعاتها، مما أوجد تساؤلا حول مفهوم المثقف المستقل وتعريفه في أوساط النخبة

 

النقيدان: المثقفون مفتونون بسلطة المال والجمهور

يرى المدير العام لمركز المسبار للدراسات والبحوث منصور النقيدان أن الجميع خاضع أو منجذب لسلطة ما، خفية أو ظاهرة، سلطة المال، الجمهور، الأطماع والأهداف الخاصة، فيما يكون المثقف أحيانا معبراً بشكل واضح عن توجهات الحكم، أو النظام السياسي
فرانسيس بيكون، وميكافيللي كلاهما كان تابعا لسلطة سياسية، وابن خلدون كان الشيء نفسه
"يكون الفقيه مثاله القاضي والمفسر أبو السعود الذي كان داعماً كبيراً لإصلاحات السلطان سليمان القانوني، وقد يكون الكاتب أو المثقف مؤمنا عن إخلاص بكثير من توجهات السلطة، وهو حينها يعبر باستقلالية واضحة عن وجهة نظره، التي تتطابق كلياً أو جزئياً مع أهداف النظام السياسي"
ويؤمن النقيدان بأن كثيرا ممن نضعهم في خانة المثقفين المستقلين ينقادون إلى التطبيل لشعارات جوفاء مضرة بمجتمعاتهم وبالسلم الوطني، لأنهم، حسب وصفه، يريدون إرضاء جمهورهم الذي ينقاد بعاطفية لأي توجه أو حراك ضد السلطة السياسية، ولكن هذا النوع من المثقفين لا ينتبه جيداً إلى أنهم أصبحوا أداة وبوقاً لأصوات الغوغاء والدهماء
ويضيف: "المثقفون المستقلون حتى في أكثر صور المثقف مثالية وطوباوية، هم متوافرون دائما، ولكنهم قد يتفاوتون نسبة وعدداً ووعياً، وبعض منهم لا يحسن الإفصاح عن نفسه، ولا يتقن الدعاية لكي يبني حوله هالة من الجاذبية، توفر له المعجبين والأتباع"، مشيرا إلى أن بعضا ممن ننظر إليهم على أنهم مثقفون مستقلون هم مأسورون لسلطة خارج الحدود، يراعونها ويلحظون رغبتها ويبادرون إلى إرضائها، لكنهم غير مكشوفين لنا
ويستدرك بالقول: "هذا في النهاية لا ينفي البتة وجود فئة "ورعة"حقاً من المفكرين والكتاب والمثقفين، لا تبيع قلمها بالمال
لكن علينا أن ندرك جيداً أن الثمن الذي قد يقبضه المثقف ليس بالضرورة أن يكون مالاً ونقداً، هناك وجوه كثيرة لثمن المواقف التي تكشف عدم استقلالية المثقف"
وبالاستشهاد بمثقفي الغرب، يرى النقديان أن المثالية التي نظنها عن بعضهم ليست إلا وهماً، قائلا "كثير من المثقفين لم يكونوا تابعين لسلطة سياسية أو اجتماعية أو دينية أو مذهبية، فهم خاضعون لرغبات وسائل الإعلام، لدور النشر، يدركون جيداً أن ما يكتبونه لا ينشر ولا يمكنهم الحصول على عائدات تمكنهم من امتلاك بيت فاره، ورصيد محترم في البنك، ما لم يكن ما يكتبونه يليق بالسوق وما يبحث عنه الناشر"


الرباعي: الاستقلال وهم عاطفي وغير موضوعي

يعتبر الكاتب والصحافي علي الرباعي أن من الصعوبة بمكان الحكم على مثقفٍ ما أنّه مستقل، فهناك دائماً انحياز ما وإن تفاوتت درجاته، مشيرا إلى أن الانتماءات فطرية في كل كائن حيّ، وليس المطلوب أن يقف المثقف على الحياد أو أن يلتزم الصمت إلا في حال تعرض مبادئه وقيمه للخطر"
ويرى في الوقت نفسه أن انحياز المثقف المنتمي قد يكون للفكرة الأيديولوجية يمينية أو يسارية فهناك انحياز عقيدي، وهناك انحياز فطري، وجمالي، ووطني وأممي وإنساني وتياري ووظيفي وعائلي وقبلي
ومفهوم الاستقلال بالنسبة للرباعي يتمثّل في تحرير الفكرة والرأي من سلطة أو ضغوط أو إملاءات أو مساومة بحيث تعبّر عن قناعة المثقف التامة بما يعبّر عنه
يضيف: "في عالمنا العربي الفكر المُستقل مكانه العزلة الإجبارية أو الاختيارية، والخطاب المتطرف ليس بديلاً بل هو أصيلٌ في ثقافتنا وذاكرتنا العربية "لنا الصدرُ أو القبرُ" ومن الطبيعي أنه عند حرمان أفراد الأسرة من الحديث في شؤون منزلهم سيتحدثون عن شؤون بيت جيرانهم، وهذا واقعنا اليوم مع الأحداث والمتغيرات، والعرب عرفوا النائحة الثكلى والنائحة المُستأجرة"
ويعتقد الرباعي بأحقية كل مثقف حتى وإن كان واعظاً أو فقيها أن يتحدث عن الشأن العام، موضحا أن الانحياز الكلي ينبغي أن يكون للوطن مع عدم إغفال الانحيازات الصغيرة"

 

الدخيل: القناعة الفكرية معيار الاستقلال

الاستقلال كما يراه أستاذ علم الاجتماع السياسي خالد الدخيل هو أن تنطلق في رأيك أو حكمك من قناعتك، وأن تنتظم في ذلك مع الرؤية التي ترى أنها الأصلح، قد تختلف، وقد تتفق في هذا الرأي مع السلطة، هذا ليس هو المعيار، المعيار هو مدى اتساقك مع نفسك ومع قناعاتك، ومدى التزامك وإخلاصك لما تؤمن به، على أساس من الحرية ومبدأ التعددية في إطار الدولة ومقتضيات القانون
ويؤكد أن أهم سمات المثقف الاستقلال الذي من دونه يصبح شيئا آخر، مشيرا إلى أن المثقف قد يكون سياسيا في ثوب مثقف يبحث عن شيء لا يشبه صناعة الثقافة والفكر، وقد يكون انتهازيا يحاول أن يصطاد في سبيل مصلحته مستخدما سلاح الثقافة بطريقة رثة ومكشوفة، مضيفا "في العالم العربي الثقافة والصحافة يمكن بسهولة أن تصبح وسيلة للتكسب، وبسبب غياب الوعي، هناك طائفة ممن يتصدرون المشهد ويكتبون عن الشأن العام، إما مداهنون ومتزلفون للسلطة، أو متملقون لهوى الجمهور والشارع"
ويلفت إلى أن الموقف الرسمي للسلطة مشروع ويمثل جزءا أساسا من الفكر السياسي للمجتمع وقد يعبر عن رؤية سياسية ثاقبة، كما قد يعبر عن عكس ذلك، وموقف المثقف من السلطة وسياساتها وطبيعة هذا الموقف يعبران عن هذا المثقف
قمة المداهنة في نظر الدخيل هي في تبني الموقف الرسمي للسلطة لمجرد أنه موقف رسمي، أما تفهم الموقف الرسمي أو تبنيه والدفاع عنه بإضافة سياسية أو فكرية واضحة، وبمهنية فيعتقد أنه يعبر عن استقلال المثقف وعن قناعته قبل أي شيء آخر وكذلك توجيه النقد للسلطة لا يعني بالضرورة مناهضتها أبدا، كما أن الدفاع عنها وعن سياساتها لا يعني الإخلاص لها، ولا القناعة بما تحاول أن تفعله
ويتابع "بعض من يدافع عن الموقف الرسمي للسلطة يفعل ذلك وهو في داخله غير مقتنع بما يفعل
هو في الحقيقة لا يعبر عن السلطة، وإنما عن نفسه وعن انتهازية في محاولة لاستباق اتهامه بالتقصير
هو يفعل ذلك لأنه اعتاد على أن توجيه النقد للسلطة هو عداء ومناهضة لهذه السلطة
وهذه الرؤية من مخلفات ثقافة الستينيات، أو ثقافة الحرب العربية الباردة قبل أكثر من نصف قرن
ولأنه كذلك، يعبر هذا المثقف بموقفه هذا عن ارتباكه وانتهازيته بحفلة من المدح السمج المنمق أحيانا، أو حفلة شتم لمن انتقد السلطة في محاولة لاستعدائها على هذا الناقد
هناك من يتخذ موقفا معاكسا بأن ينخرط في حفلة ردح إنشائية ضد السلطة
وهذا نموذج لا يختلف كثيرا في منطلقاته عن النموذج الأول
كلا النموذجين يفتقد لأبسط متطلبات الاستقلال، والنضج الفكري"

 

الرفاعي: موجود رغم الديكتاتوريات

للروائي الكويتي طالب الرفاعي رأي مختلف، فهو يرى أن المثقف المستقل ما زال حيّا يرزق في الوطن العربي، وهو موجود رغم الدكتاتوريات التي مرّت وتمر عليه ولا يزال بعضها يمارس كل أنواع التهميش والبطش والتنكيل الذي وصل أحياناً حد التصفية الجسدية
ويبرر الرفاعي خفوت صوت المثقف المستقل عربيا، بأن الشعوب العربية ومنذ ما يزيد على العقود الستة تعيش مأزقاً حياتياً صعباً، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وثقافياً، لذلك صوت المثقف مقموع أو مصادر أو ضائع، مؤكدا أن إسهامات المثقف في القضايا الكبرى موجودة ومعروفة على مستوى الفكر والرواية والقصة والشعر والتشكيل والمسرح والسينما، لكن الأخذ بها وتفعيلها من قبل المؤسسة الرسمية هو الغائب
ويضيف: "ويكفي المبدع والمثقف العربي، وصله الحقيقي والحميم مع المتلقي، ويكفيه أن يُكتب له أحياناً ارتفاع صوته عالياً في المحافل الدولية، وبما يؤكد على حضوره وإبداعه ونباهته
وقد انغرس مخرز الفضاء المفتوح ومواقع شبكة الانترنت في عين وقلب الدكتاتور، حين تواصل المفكر والمبدع العربي مع جماهيره، وصار بإمكانه أن يقول كلمته وتجد طريقها في التو واللحظة سالكاً نحو الآخر"
ويجد الرفاعي أن في الهجرة إلى أوروبا وأمريكا بديلا ومتنفسا للمستقلين العرب، لأن سقف الرقابات الثقيل والكريه، حسب رأيه، ينقشع من فوق رأسه وقلبه ويشعر بقدرته على قول كلمته بعيداً عن حسابات الوجع والضياع والموت رغم أنه سيعاني الغربة التي تحرمه من أهله وأبنائه ووطنه، لكنها غربة لن تمنعه من الوصول بكلمته ورأيه وريشته إلى أبناء وطنه، وبالتالي المشاركة في التأثير ولو جزئياً في تلوين لوحة الواقع المعيشي"

 

القاسم: المثقف الأجير أعلى صوتا

يجد المحامي والباحث الفقهي عبدالعزيز القاسم أن أزمة المثقف تجاه دوره الثقافي نابعة من أزمة شرعية السلطة، مضيفا أن السلطة في الوطن العربي مصابها في صميم شرعيتها السياسية وتستعين لتحقيق استقرار مكاسبها بالقمع وتضييق الحريات وأحد ضحاياها ذلك المثقف
ويقول القاسم "نتيجة لهذا القمع حدثت تبعات كبيرة في المجال العام للمثقف، فمن ناحية ازدهرت سوق المثقف الأجير ذي الوظيفة التبريرية، ومن ناحية أخرى انطلق المثقف المغامر المتمتع بالشجاعة والتهور، وتوارى كثيرا المثقف المعتدل
ويرى القاسم أن المثقف في سياق كهذا صار جزءا من الاستقطاعات العنيفة البعيدة عن الموضوعية بدرجات متفاوتة، وخسر المجتمع والأمة دوره الطليعي الذي يستشرف الأزمات والتحديات ويشارك في صياغة الحلول والتركيبات المبدعة لتخطيها