قريبا من الموت إعلاميون على خط النار

بأسلحة غير محشوة بالرصاص عتادها الحبر وفلاش الكاميرا، وقفوا جنبا إلى جنب مع إخوانهم من الجنود البواسل خلف خط النار، فأسلحتهم يقدرها التاريخ ويصنع بها حكايته، زارهم الخوف ولم يهزمهم، رغم شدة الظلام وأصوات الرصاص والدماء المسالة والأرواح الغاشمة للإرهابيين التي تسعى لطحن كل ما يعترضها.

هم إعلاميون دفعتهم وطنيتهم تارة، وتهورهم تارة، وعشق المهنة في أخرى، إلا أنهم اتفقوا على كتمان وجهتهم حتى لا يكبلهم خوف الأم أو رهبة الزوجة أو قلق الأبناء.

مرمى النيران

يقول الصحفي منيف الصفوقي إنه أوشك على الموت أثناء مداهمة لمقر تحصن فيه الإرهابيون ومن بينهم عبدالعزيز المقرن في حي الملك فهد بالرياض، إذ كان مع زملائه في مركبته بين إحدى مركبات رجال الأمن ومركبة للإرهابيين، مما جعلهم في مرمى رصاص الجانبين.
ويضيف: كنت أعتقد أن هذه اللحظة لن تنتهي والمشهد الأشد إيلاما في ذاكرتي مشهد الأشلاء المتناثرة على بعد 100 متر من مبنى المرور الذي فجروه في الرياض، لقد كان مشهدا قاسيا جدا، أشلاء صغيرة تطايرت بعيدا من شدة الانفجار والدماء تملأ الأرض في كل مكان.

تزوير البطاقات

كان رجال الأمن على أهبة الاستعداد طيلة فترة محاربة الإرهاب، فكان التحقق من كل أمر أساس في مرحلة لم يسمح فيها بأي خطأ، ولأن الإرهابيين كانوا يزورون أي أوراق ثبوتية رسمية اضطر عدد من الصحفيين لتفهم وضع رجال الأمن وما يعانونه أمام لجوء عدد من الإرهابيين لتزوير بطاقات التعريف بالإعلاميين.

حللونا!

ويصف المصور يونس السليمان مشاهد الرعب في مواجهة جدة 2005، حيث كان قريبا جدا من الموت، ويقول: أعترف أن التهور والاندفاع كان يلازمنا فور حمل كاميراتنا، فقد وصلت إلى منطقة مباشرة أمام عمارة تحصن بها الإرهابيون وكنت تحت مرمى الرصاص أحتمي بجدار يثقبه الرصاص، وكانت لحظة لم أتصور أنني سأواصل حياتي بعدها.
ويتذكر السليمان أكثر العبارات واللحظات إيلاما تلك التي سبقت المداهمات وخاصة عبارات قوات أمن الطوارئ بأن «حللونا» وسلام المودع، كونهم يعون جيدا أن الشهادة قد تنتظر أحدهم.

كاميرات ملغومة

عندما لجأ الإرهابيون إلى تفخيخ كاميرات لاستهداف مسؤولين، إذ كشفت إحدى الخطوات الاستباقية لرجال الأمن 2004 عن تفخيخ عدد من الكاميرات لهذا الغرض، وهو ما زاد التوتر بين الجانب الأمني وكاميرات المصورين، ومع ذلك التقط الإعلاميون صورا لن تنسى ولن تنمحي من الذاكرة.

أغلى عصير

ويتذكر السليمان أن الوصول للطوق الأمني الثالث لتغطية الحدث، يعني أنك فعليا في مسرح العمليات، حيث لا عودة إلى الوراء، ومع امتداد هذه العمليات إلى ما يزيد عن 9 ساعات أثناء المواجهات في جدة، وفي منطقة اللاعودة للحصول على شربة ماء، كان رجال قوات الطوارئ يمنحون ما يصلهم لأنفسهم من إمدادات الماء وعلب العصير لمن وجد من الإعلاميين والمصورين، في ذلك الظرف كان العصير وكوب الماء غذاء غال جدا.
ثواني الموت ولا يختلف حال المصور منصور الشهري عن سابقيه، فلقد أوشك على مفارقة الحياة، ولعبت ثوان معدودات دورا في بقائه حيا، حين شاء المولى أن يخرج من مركبته قبل ثوان من انهيال وابل من رصاص الإرهابيين عليها أثناء تبادلهم إطلاق النار مع الجهات الأمنية، إذ أصاب الرصاص الزجاج الأمامي لمركبته، فخرج ليحتمي بأحد محلات الاتصالات المجاورة.

مخرج الاستراحة

ويتابع الشهري: كلما سألني والداي عن مكان وجودي خلال سماعهما عن أي حدث في الرياض كنت أجيبهما بأنني في الاستراحة، بدلا من إقلاقهما والاعتراف بوجودي في مسرح الأحداث.
وأردف: في بعض الليالي اضطررت للمبيت بجانب الحدث أو في الصحيفة، ومع ذلك كان سيل مكالمات الأهللا ينقطع فور السماع عن أي حدث.

10 احتمالات للموت

أما سعود الشيباني فيتذكر 10 مرات كاد أن يقتل فيها، حين تعرض لإطلاق النار في حادثة المونسية أثناء ملاحقة لإرهابيين هربوا إلى الرياض بعد محاولتهم استهداف معمل في بقيق وتحصنهم بإحدى الاستراحات، كما تعرض لإطلاق النار أثناء مداهمة السويدي ويقول: صعدنا على مسؤوليتنا لسطح أحد الأبنية المجاورة للمبنى الذي تحصن فيه الإرهابيون، بعدما فشلت الأسرة صاحبة المنزل في ثنينا عن عزمنا لتغطية الحدث، وفي أشد لحظات الخطر كان أبنائي يمرون بذاكرتي، يعاتبونني على مصير قد أصل له بعشقي لمهنة رديفة للخطر.

أصعب من الصورة

ويسترجع المصور خالد الخميس مشاهد الرعب عقب تفجيرات المحيا التي يصعب حبسها في صورة، وقال: زيارة المستشفى بعد التفجير حفرت بذاكرتي صورا لم تتمكن العدسة من التقاطها لشدة خصوصيتها وألمها، والعدسة ذاتها وضعت صاحبها في خانة الحرج بين المهنة والإنسانية، حين اضطرت لصعود إحدى العمارات السكنية للتصوير من سطحها وواجهت بعض الأسر التي تحاول الفرار من أصوات المتفجرات فبدلا من التصوير آثرت مساعدتهم.
ويعترف الخميس أن المنافسة والتهور بين المصورين كانت طريقا موصلا لمناطق الموت.