القطاع الخاص.. حان الوقت لتقديم العون

ميزانية الدولة، عادةً ما ينظر إليها الناس نظرات مختلفة، كلٌ من موقعه وبقدرِ إمكاناته وبحجم آماله وتطلعاته.
ولعل التفسير العملي البسيط لكلمة «ميزانية» يتلخص في إيجاد التوازن بين دخلك وبين مصروفاتك. وبالطبع كلما زاد دخلك ارتفعت مصروفاتك.. فسيدة المنزل تدير شؤون بيتها وفقاً لمرتب زوجها إن كان موظفاً، أوكسبُ الزوج إذا كان عاملاً حُراً. فذات البيت حين كان راتب عائِلهِ ألف ريال مثلاً تكون له ميزانية تتفق مع هذا الدخل المحدود.
ومع الأيام حين يصل هذا المرتب إلى ألفي ريال مثلاً، تتم إضافة بنود جديدة لميزانية البيت لتستوعب الزيادة التي طرأت على راتب الموظف.
وهكذا إذا تعرض راتبه أو دخله بفعل حدثٍ معين للخفض، يعود بالطبيعة إلى حذفِ ما استحدث من بنود استجدَّت مع زيادته.. مبقياً على البنود الأساسية والضرورية.
وكذلك هو الحال بالنسبة للأسرة الكبيرة المتمثلة في الوطن ومواطنيه.
وتمرّ بالأوطان عادةً فترات يتعرض فيها دخلها العام بفعل الظروف العالمية والاقتصادية - لشيءٍ من الانخفاض – بحجم تلك الظروف وبقدر تأثيرها. وكما هو الحال بالأسرة الصغيرة، حين يكون ربّها حصيفاً وعاقلاً، يدرك أن لا بؤس يدوم ولا سرور.. فيحفظُ في جانبٍ أمين، بعضاً من دخله، تحفظاً وتوقعاً لما قد يحدث ويطرأ من أمور، لا بد له من مواجهتها إن أراد للأسرة قدراً من الأمان حين حدوث الأزمات.
وكذلك هو الحال بالنسبة للدول.. حين تواجه رغماً عنها ظروفاً طارئة أو أحداثاً مؤثرة، تنال من ثابت دخلها وتحدُّ من صادراتها التي كانت بعد الله معتمدةً عليها.
وما حدث من انخفاض ولا أقول انهيارا لأسعار البترول، لا بد أن تكون له نتائج وعواقب على أي اقتصادٍ معتمد عليه لدرجة مؤثرة.
وكما يحدث حين يتعرض دخل الأسرة الصغيرة للانخفاض وما يتم اللجوء إليه من إجراءات وقرارات، تعتمد أولاً على ضغط المصروفات غير الأساسية، مع الحفاظ قدر المستطاع على الضروريات اللازمة لاستمرار الحياة، ومراجعة بعض الممارسات والعادات المستحدثة، والتي أبرزها الوفرة المالية في زمن الرخاء والزيادة، وعلى سبيل المثال: يتم الاستغناء بفعل الضرورة عن عددٍ من المناسبات العائلية وما يتبعها من إنفاق.. يبدأ الأب في تقنين مشاويره توفيراً «لبنزينه».. وتبدأ الأم في مطاردة مفاتيح الكهرباء لإغلاق غير اللازم منها.. وإذا ما أحسنت تربية الأولاد فسيأخذون في التقليل من مطالبهم بل وإلغاء جزءٍ منها.. يحدث هذا حين تكون روح الإحساس بالمسؤولية ورياح المحبة هي التي تهب برفق على ذلك المنزل، حتى تمر الضائقة أو الأزمة على خير. ولكن هذه الأزمة توقظ بالتأكيد روحاً جديدة كاد بريقها أن يخبو وينطفئ، مع فرط الإسراف وعدم المبالاة، إلا أنها روح المسؤولية العامة.. والإحساس بما يحيط بالمرء من متغيرات حتى لو لم تكن متوقعة أو في الحسبان، اعتماداً على معنى: «فلا سعدٌ يدومُ ولا شقاءُ».
ومن الدروس المستفادة والمفيدة في مثل هذه الأمور.. الحفاظُ على النعمة وعدم البطر عليها أو التباهي بها.. وأن بالشكر تدوم النعم.. مع الإيمان الحقيقي بأن الله هو الخالق الرزّاق.
وقيل لرجل: لقد زاد سعر الدقيق ديناراً..
فقال: والله لو زادت حبة القمح ديناراً، لما راعني ذلك. فأنا علي أن أعبد الله كما أمرني، وهو الذي سيرزقني كما وعدني.
وكما أن للأزمات سلبياتها، فإن لها من الإيجابيات ما هو مفيد. فهي في إيجابياتها تدفع إلى التفكير والبحث عن طرق وسبلٍ ووسائل، تمنع تكرارها، وإذا كانت أقداراً، فعلى الأقل تُعدُّ العدة لمواجهتها حين تكرار حدوثها.. فلا سعدٌ يدومُ ولا شقاء. ومن إيجابياتها أيضاً ما تُعينُ عليه من تأصيلِ عادات الصبر والإيمان وزيادة الاعتماد على الله مع العمل والابتكار.
ولقد أحدثت ميزانية الدولة الجديدة تفعيلاً لقدرة الوطن على مواجهة ما يستجد من ظروف وما يطرأ من تقلبات.. مع قدرة الدولة على الحفاظ على سلامة المواطن محدود الدخل دون تأثيرٍ بالغ على مسيرة حياته اليومية والمعيشية، ودون إحساسه بالخوف من القادم رغماً عما يتنازع كثيراً من الناس من حولنا من زعزعة وعدم استقرار.
ولقد نبهت هذه الميزانية كثيراً من الناس، لمسألة أن الأمن والأمان، الذي يعيشه المواطن السعودي دون انخفاض أو نقصان، إنما هو في الواقع النعمة الكبرى التي يجب أن نداوم على شكر الله لها، والدعاء إليه ألا يغيرها إلا بأحسن منها.
كما أكدت الميزانية صحة مطالبات ورغبات القطاع الخاص في بلدنا الحبيبة، بأن يكون له دور مساند ومؤازر للحكومة في تحمل مسؤولية الشراكة في تنمية مستدامة.. قادرة على مواجهة ما قد يطرأ من مستجدات وتحديات، الأمر الذي سيدفع بحول الله، وبحكم ما أُعلن من طرح خصخصة بعض القطاعات الحكومية على مدى السنوات الخمس القادمة بحول الله..
وقد يكون من أبرز السلبيات التي تصاحب عادةً أي قرار بزيادة أو نقصان، قفز بعض الأسعار اعتماداً على ذلك، وفي بعض الحالات وهي الأكثر استغلالا لذلك. وهو الأمر الذي يجب أن يراعيه أصحاب الأعمال الخاصة، وأن يخافوا الله في الناس.
صحيح أن البنزين من عيار 95، 91 قد زاد ولكن ظلت باقي الأنواع كما هي، وأن 87% من فواتير الكهرباء لن تتأثر، وكذلك لم ترتفع فواتير الاستعمال الراشد للمياه.. ولكن حين تحصل زيادات الأسعار تأتي شاملة وتصيب كل شرائح المجتمع، حتى التي لم ترفع عليها الدولة نسبة التحصيل.
وهنا لا بد أن نعترف أن التاجر ورجل الأعمال ليسوا إلا مواطنين وعليهم أن يتحملوا كباقي الناس جزءا من هذه الضريبة، لا أن يكونوا ضرائب جديدة تضرب كل الناس.
وكم نحمد الله أن قطاعات هامة ومهمة وضرورية لم تتأثر رغم كل الظروف. فقد احتفظت، بل نالت نصيبها الآمن والواعد، مثل القطاع الأمني والعسكري، التدريب، والتعليم والبلديات.
وكنت دائماً أقول: إنه ليس من المفروض على الدولة أن تفعل كل شيء بمفردها، طالما أن هناك قطاعا آخر ممثلاً في القطاع الخاص قادر بفضل الله على إعانتها ومساعدتها في تقديم الخدمات للمواطنين، إنها مسؤوليةٌ علينا جميعاً أن نتشرف بأدائها، سداداً لدينٍ واعترافاً بفضل الله ثم بهذا الوطن الغالي وهذه الأرض الكريمة المعطاءة.
أطال الله بقاء خادم الحرمين الشريفين الملك المفدى سلمان بن عبدالعزيز وحفظ له مساعديه، وسدد خطى ولاة الأمر لما يحبه ويرضاه وبارك في شعب أصيل، لا غاية له إلا رفعة وطنه وعلاه.