سَعد الله صباحك يا دكتور

سهيل زميل الدراسة ورفيق العمل، عرفته في سنوات الجامعة وكان جاري في حي الكندرة اشتريت منه أول سيارة في حياتي .. كنت معجبا بها داتسون 280 بسقف جلد بيضاء تسر الناظرين والناظرات. وأذكر مسجلها ذا أشرطة الكاتردج حين تصدح منه أغنية ما هقيت إن البراقع يفتنني لفنان العرب والتي كانت تعدل في انتشارها أغنية الأماكن في هذه الأيام.
كنت أناوب مثله في المطار من نصف الليل تقريبا إلى أول النهار حيث كانت نوبة الليل تبدأ من الحادية عشرة مساء حتى السابعة.. نذهب بعدها إلى الجامعة حيث تبدأ المحاضرات الساعة الثامنة، وكان ذلك قبل نظام الساعات المعمول به في كل الدنيا حاليا.
كانت محاضرة الثامنة لدكتور وقور ملتزم إذا دخل لا يريد أن يدخل بعده أي طالب وإن سمح له فهو غائب في سجلات الحضور. وكانت علامات الحضور محسوبة ضمن علامات المادة فكنت أحرص وغيري أن نكون في القاعة قبل الدكتور حتى عندما نخرج مرهقين من دوام المطار أو دوامة المطار كما كنا نسميها ونكون في حالة إعياء ولكن طموحاتنا في إكمال الدراسة الجامعية إلى جانب حاجتنا للعمل كانت وراء تحملنا مشقة ساعدنا الله سبحانه وتعالى في تجاوزها والتي استمرت أربع سنوات متصلة.
كانت الدراسة المنتظمة من شروط تخصصنا فلم يكن الانتساب مسموحاً به في قسم الجغرافيا نظرا لأنها مادة فيها من الدروس العملية الكثير مثل الخرائط والمعامل.. وكنا نتساوى مع الطلبة المنتظمين المتفرغين للدراسة ولا يزيدون علينا سوى أنهم يستلمون مكافأة الشهر والتي كانت مائة ريال تنقص عن كل يوم غياب مبلغ ثلاثة ريالات فنجد المواظبين يستلمون مائة برأسها كما كنا نسميها.
سهيل كان يصل القاعة ملثما بشماغه يضارب النوم.. ويلف مذكراته الجامعية في سجادة زرقاء.. ويدخل أحيانا بعدي إلى القاعة وأحيانا أجده قد سبقني.. والأهم أن كلانا حريص على أن يسبق الدكتور في الدخول إلى محاضرته التي كانت عن تاريخ الشرق القديم.. وكثيرا ما كان الدكتور يشرح حياة الآشوريين أو الكلدانيين ونحن نغالب النعاس حتى نمت في نفوسنا عقدة ضد هذه الأمم التي بادت منذ قرون وما زال حصولنا على البكالوريوس يستوجب حضورنا لسماع هذا الدكتور يحكي قصتها بتفاصيل تزيد في نعاسنا والذي كان من عاداته أن يرفض تحية صباح الخير.. وعندما يخطئ أحدنا ويدخل بعده ويبادره «صباح الخير يا دكتور» ينبري له بخطبة غالبا ما تصل إلى عشر دقائق يقتطعها من المحاضرة يذكرنا فيها -جزاه الله خيرا - أن تحية الإسلام هي السلام عليكم ورحمة الله وأن إجابتها وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأن صباح الخير هي مرادف لتحية الجاهلية عمت صباحا والتي لا ينبغي أن نتمسك بها.. وأن هذه آخر مرة يسمح لأحدنا بقولها في المحاضرة.. وبعد إحدى محاضراته الاعتراضية هذه دخل أحد الطلبة وكان أبوه من علية القوم ويعرف ذلك الدكتور بادره قائلا صباح الخير يا دكتور فانزعج الدكتور وأعاد عليه ملخصا للمحاضرة الاعتراضية ثم جلس زميلنا حيث شاء.. ولحظتها دخل سهيل وقال بعفوية وصوت مرهق من السهر في المطار ..
- سعد الله صباحك يا دكتور- يقصد أسعد الله صباحك.. فما كان من الدكتور وكان من جنسية عربية وذلك قبل اكتشاف السعودة أن انبرى له منزعجا.. الله.. سعد الله يبقى مين؟ جوز خالتك؟!