قلق المستقبل في التعليم وليس في الاقتصاد
الخميس، ٣١ ديسمبر ٢٠١٥
لا يمكن أثناء الحديث عن تنويع مصادر الدخل أو التوجه نحو اقتصاد المعرفة أو الاستثمار في العنصر البشري أن يتم كل ذلك، أو شيء منه، دون الالتفات إلى التعليم / البيئة الأولى والحاضنة المسؤولة عن إنتاج وإنضاج تلك المشاريع.
في حديثنا عن التعليم العام نكاد نتفق على أن المشكلة الأبرز هي فقدان البوصلة التي تسير بالطالب وتوجهه. المنهج التعليمي الذي يعتبر محور العملية التعليمية يعاني من تجاذب الإرادات المتقاطعة بين العنصرين: الديني والمعرفي، في حين أن العنصر التربوي المفترض يكاد يكون متواريا أمام حضور العنصرين السابقين.
حين ندرك اليوم أننا أمام واقع مختلف وأن الاقتصاد الوطني بات في حاجة إلى التخلي عن الاعتماد على المفهوم الريعي، وأن التجربة الماليزية قامت على وقود التعليم الذي قفز بها خلال عقدين من الزمن أنضجت الجيل الذي نهض بتلك التنمية، حين ندرك كل ذلك، فإن علينا أيضا إدراك أن الناشئة بحاجة إلى ما يبني شخصياتهم في الحياة كي يكونوا فاعلين في المستقبل أكثر من حاجتهم إلى حقنهم ببعض القيم التي تعتمد في إيصالها على أسلوب الحشد والتعبئة وبطريقة الدعاية الحربية. هذه الطريقة وتلك القيم لن تثمر في وجدان الأجيال شيئا ذا قيمة، وكان بالإمكان استغلال مساحة تلك الأشياء التي استهلكت وعيهم وتساؤلاتهم وأرهقت جاهزيتهم نحو التفاعل مع الحياة والعالم من حولهم.
المناهج الدراسية حاليا في مختلف مراحل التعليم العام تؤسس الطالب لكي يجيد المناظرة في مسائل عقائدية دقيقة جدا، لكنها لا تؤسسه لكي يكون شابا يمتلئ بالمبادئ الإنسانية والمهارية التي يمكنها أن تؤسس إنسانا قادرا – مستقبلا – على العطاء والبناء والاستعداد الوثاب لحمل هم النهضة. أرجو ألا يُفهم كلامي على أنه دعوة إلى التخلي عن المنهج الدراسي الديني، إطلاقا، إنما هو ببساطة شديدة الدعوة إلى استثمار العقول الخام فيما من شأنه تأسيس جيل قادر على التنافس الأممي نحو القوة والاقتصاد والتفوق، وليس جيلا خاملا يتفوق في فهم جزيئات دينية دقيقة ويفشل في فهم وهضم غايات إنسانية وحضارية كبرى.
استغلال تلك المساحة العقلية التي أتحدث عنها يكون عبر آلية تخفيف واختصار الكثير من المواد الدراسية لصالح مواد أخرى في جوانب وجدانية ومهارية لازمة، بات يفرضها الواقع، وتحتاجها الحياة. وحتى لا يغضب علي البعض، فحتى المواد غير الدينية أيضا يجب تخفيف جرعتها المعرفية لصالح الجرعة الوجدانية المفترضة، فمثلا: من غير المطلوب من الطالب أن يكون عالما باللغة العربية، لكنه مطلوب منه أن يستشعر قيمتها الحضارية ويتذوق مفرداتها البلاغية، بدلا من حشو ذهنه بالكثير من تفاصيلها، ثم إذا كبر الطالب تكبر معه كراهية اللغة والنحو وحتى الشعر الفصيح، والذي تشوه الوعي به في وجدان الأجيال بسبب الاختيارات الرديئة والمؤدلجة أحيانا للنصوص الشعرية في المنهج الدراسي. باختصار.. المطلوب هو إيصال وتعزيز الوعي بالمعرفة أكثر من إيصال المعرفة نفسها واستهلاك الوقت والطاقة في ذلك. المعرفة لم تعد مشكلة، لكن الوعي بالمعرفة والوعي بقيمة المعرفة هو المشكلة الأساس مع هذا الجيل.
ختاما.. الزمن لم يعد فيه إمكانية للتأخر كثيرا، ومخرجات التعليم لدينا ماثلة للعيان، وعليه.. فقد أخذت الكثير من القيم فرصتها الكافية خلال أربعين سنة مضت، وآن الأوان أن تستبدل الكثير من البنية التحتية التعليمية، سواء في المنهج الدراسي أو في آلية التدريس. إن المستقبل لا يمكن المجاملة فيه.
waheed@makkahnp.com