على من تقع مسؤولية الإنفاق غير المبرر؟

كتبت في نهاية مارس الماضي مقالا بعنوان «هل تراجع أسعار النفط شر محض»، تطرق للآثار المترتبة على تراجع أسعار النفط، وكيف يمكن تحويل تراجع أسعار النفط إلى ميزة تنافسية؟ وانتهى المقال إلى أن تراجع أسعار النفط لن يكون شرا محضا، بل قد يكون محفزا لإحداث تغييرات جذرية وهيكلية في السياسات الاقتصادية والمالية بعد أن توقف الاهتمام بها منذ عادت أسعار النفط للارتفاع في 2001.
ومنذ ذلك الحين بدأت بوصلة تغيير السياسات الاقتصادية أخذ مسارها الصحيح، فالحديث عن رفع كفاءة الإنفاق والأداء الحكومي كان الأكثر تداولا واستخداما على المستويين الرسمي والشعبي، فعلى المستوى الرسمي بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في خطابه السنوي في مجلس الشورى الرؤية المستقبلية للاقتصاد، وأنها ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة: رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، والاستفادة من الموارد الاقتصادية، وزيادة عوائد الاستثمارات الحكومية، وكل محور من هذه المحاور له أبعاده، ويرتبط بالمحورين الآخرين، ويؤثر فيهما ويتأثر بهما.
وفي الجانب الآخر، كل القرارات التي صدرت مؤخرا مثل إنشاء مركز إدارة المشروعات الوطني، ورسوم الأراضي البيضاء، والسياسات العامة للتمويل العقاري، وهيئة المنشآت المتوسطة والصغيرة، وتعديل أنظمة الاستثمار والتجارة، مرورا ببرنامج التحول الوطني، وصولا إلى بيان الميزانية الذي أعلن الاثنين الماضي، وارتفاع نسبة مساهمة الإيرادات النفطية في ميزانية العام الماضي، والحد من الإنفاق غير المبرر تؤكد أن تراجع أسعار النفط لم يكن شرا محضا، بل البداية الحقيقية لاقتصاد متنوع.
الجديد في الموضوع هو الحديث عن الإنفاق غير المبرر من قبل الجهات الحكومية، وهو ما يهمنا في هذا المقال، فقبل تراجع أسعار النفط لم يكن ضبط الإنفاق غير المبرر، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي في قائمة الأولويات الاقتصادية، فكان الحديث عن حجم الإنفاق المتصاعد هو الأكثر حضورا، لكن ما ذكره وزير الدولة محمد آل الشيخ لقناة «العربية» حول نجاح المملكة في الحد من الإنفاق غير المبرر في النصف الأخير من 2015، بعد أن كشفت دراسة قدمت لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أن الجهات الحكومية والمؤسسات العامة تنفق أكثر من 30% من مخصصاتها في الربع الأخير من كل سنة، أمر يستحق التوقف عنده، وطرح التساؤل التالي: على من تقع مسؤولية الإنفاق غير المبرر؟ وما هي أسبابه؟.
الحقيقة أن الإنفاق غير المبرر ليس جديدا بل متعارف عليه وشائع مند عشرات السنين، وكان بحكم المسكوت عنه، ويحدث في الربع الأخير من كل عام مالي نتيجة لتسابق الجهات الحكومية إلى إنفاق كل ريال في الميزانية المعتمدة لها قبل نهاية العام المالي، وتقوم بالمناقلة بين البنود المختلفة بما يضمن لها إقناع وزارة المالية أن ميزانيتها لم تكن كافية، وأنها بحاجة لدعم مالي يضمن لها رفع المخصصات المعتمدة لها، وكل ذلك كان يتم على مرأى من وزارة المالية وموافقتها، والسبب في ذلك وفقا لما أفاد به كثير من موظفي الجهات الحكومية أن وزارة المالية تعتبر المبلغ الذي لم تنقفه الجهة الحكومية مبلغا فائضا، وتقوم بخصم هذا المبلغ من موازنة الجهة في العام المقبل، ولهذا السبب كانت الجهات الحكومية تحاول إنفاق كل المبلغ المعتمد في ميزانيتها.
وقد لا تلام في ذلك بسبب سياسات وزارة المالية، وتعنتها وعدم مرونتها حيال سياسة طالب الدعم، ورفع مخصصات بعض البنود مهما كانت مبررات الجهة وحاجتها لذلك، وصعوبة مفاوضات مندوبي الجهات الحكومية مع وزارة المالية التي تسبق اعتماد موازنة الجهة، وكان الحصول على موافقة وزارة المالية آنذاك لرفع ودعم ميزانية هذه الجهة أو تلك يعد انتصارا لها.
الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها، ولا تعني تبريرا لممارسات الجهات الحكومية، أن تجاربها مع تعنت وزارة المالية وعدم مرونتها حيال زيادة الدعم ورفع المخصصات كانا السبب الرئيس في تسابق الجهات الحكومية لإنفاق كل الأموال المرصودة، وبالتالي فالمسؤولية في ذلك الإنفاق غير المبرر مشتركة بين وزارة المالية والجهات الحكومية، فلو كانت وزارة المالية تتعامل بمرونة وتعتبر كل مبلغ تعيده الجهة الحكومية نهاية كل عام مالي كرصيد لها، أو كنقاط إيجابية تؤخذ في الحسبان عند طلب هذه الجهة أو تلك دعما ماليا أو رفع مخصصاتها في المستقبل، لما وصل الحال إلى ما وصل إليه من هذا الإنفاق غير المبرر.

alofi.m@makkahnp.com