قراءة هادئة في المقررات الدينية في تعليمنا الأساسي

بعيدا عن الصخب الذي يرتفع تارة ويخبو تارة أخرى حول المناهج الدينية في تعليمنا الأساسي (الابتدائي والمتوسط والثانوي)، وتحول الحديث عنها إلى حلبة خصام، وتبادل التهم، هذه قراءة هادئة لأحد المقررات الدينية، وهو مقرر (التوحيد)، وليس لي فيها إلا نقل الأفكار بالعبارات نفسها التي كُتبت في ذلك المقرر دون زيادة مني أو نقصان، فبالقراءة الفاحصة للمقرر من مرحلة الرابع الابتدائي إلى الثالث الثانوي نجد أن المقرر في كل تلك المراحل يعبر عن وحدة فكرية متناسقة بُنيت بإحكام مدهش، فالفكرة الرئيسة للمقرر في كل تلك المراحل تقوم على ثنائية (التوحيد والشرك)، فالتوحيد يتحقق بوجود (موجباته)، وانتفاء (نواقضه)، و(نواقصه)، فموجبات تحقق التوحيد تحصل بتحقيق ركني (لا إله إلا الله) وشروطها الثمانية في المسلم، فالشهادة لا تنفع قائلها فتنجيه من النار، وتدخله الجنة حتى يعمل بركنَيْها، وبشروطها الثمانية، إذ بذلك يتحقق التوحيد بأنواعه الثلاثة (توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات).
وأما (نواقض التوحيد) فتتمثل في: (عدم البراءة مما يعبد من دون الله، وفي دعاء غير الله، ومحبة غير الله كمحبته، والشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر، وطاعة المخلوقين بتحليل الحرام، أو تحريم الحلال، فالتشريع حق لله، فلا تجوز طاعة أحد في تحليل ما حرَّم الله، ولا تحريم ما أحلَّ الله، سواء أكان من العلماء، أم الحكام، أم رؤساء القبائل، أو غيرهم؛ لأن ذلك في الحقيقة اتخاذ إلهٍ من دون الله).
ومن أمثلة الشرك الأكبر ما يعتقده الغلاة من عبادة القبور والأضرحة، والطواف بها، ومن علامات النفاق الأكبر المخرج من الملة موالاة الكفار، ومناصرتهم على المسلمين.
وأما (نواقص التوحيد) فتتمثل في: (البدع، والمعاصي، والنفاق الأصغر، والكفر الأصغر، والشرك الأصغر)، وكل تلك (النواقض)، و(النواقص) تتفرع عنها ممارسات، يتراوح الحكم عليها بين الكفر، والبدعة، والمعصية، فـ(البراءة من الكفار) تتحقق بمعرفة أن الكفار أعداء للإسلام وأهله، وبغض الكفار، والانفصال عنهم، وعدم مجالستهم، وعدم جواز توليتهم المناصب، أو الإعجاب بهم كالإعجاب باللاعبين الكفار، وتتحقق البراءة – أيضا - ببغض أهل البدع، والفساق، وأهل الفساد من المسلمين، وإن كان بغضهم يكون بدرجة أقل من بغض الكفار، وتستلزم (البراءة) التحذير من الفرق المخالفة لأهل السنة من المعطلة، والمحرِّفة، والمشبِّهة.
و(الولاء للكفار) يتحقق بالتشبه بهم، و(التشبه) منه ما هو كفر كالتشبه بهم فيما يخص دينهم، أو التشبه بهم في تحكيم القوانين الوضعية، ومنه ما هو محرم كموالاة الكفار في الظاهر دون الباطن لأغراض دنيوية دون عذر شرعي محرم، وكثرة مجالستهم، والانبساط لهم، والتشبه بهم فيما اختصوا به من هيئاتهم ولباسهم وطرائقهم السيئة في عموم حياتهم كالاحتفال بعيد الحب، وعيد الميلاد، وإطلاق الثناء عليهم، والإقامة في بلادهم دون عذر شرعي.
و(البدع) منها ما هو فسق اعتقادي كبدع الخوارج والقدرية والمرجئة، ومنها ما هو عملي كالاحتفال بالمولد النبوي، وهجرة الرسول والاحتفال بالإسراء والمعراج، وإقامة المآتم على الأموات، واستئجار المقرئين في العزاء، ومنه ما يفعل في شهر رجب كالعمرة، ومن ذلك البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها والتوسل بالموتى.
وللبعد عما ينقص التوحيد فيما يخص البدعة يجب البعد عن البدع وأهلها، وبغضهم، وترك عيادتهم إذا مرضوا، وترك تشييع جنائزهم، وهجرهم إذا تحققت مصلحة في الهجر، والرد عليهم، وتبيان ضلالهم كما فعل السلف، فقد ألف الإمام أحمد كتاب (الرد على الزنادقة والجهمية) وألف البخاري كتاب (خلق أفعال العباد)، وألف عثمان بن سعيد الدارمي كتاب (الرد على الجهمية)، وكذا من جاء بعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وغيرهم من المتأخرين ممن تصدوا للرد على تلك الفرق المتقدمة، والفرق المعاصرة كالقبورية والصوفية.
ويستلزم معرفة التوحيد بـ(موجباته)، و(نواقضه)، و(نواقصه) العمل به، والدعوة إليه، والحرص على تبليغه، والصبر على الأذى فيه، لأن ثمرة ذلك كله دخول الجنة، التي لا يدخلها إلا الموحدون.
ومما يلحظ في كتابة المقرر في كل المراحل ثلاثة أمور، الأمر الأول: أن أفكار المقرر تتكرر كثيرًا في كل المراحل، فلا يكاد يخلو مقرر منها من الحديث عن أنواع الشرك، وأنواع الكفر، وشروط العبادة، وأنواع العبادة والتحذير من البدع، والدعوة لترسيخ الولاء والبراء، وكفر ترك تحكيم الشريعة.
الأمر الثاني: أن المنهج يزود الطالب بتصور شامل ومتكامل عن الرؤية التي يجب أن يعتقدها فيما يخص رؤيته وأفكاره عن الكون، والحياة، والنفس، وكيفية التعامل مع الآخر المختلف عنه مذهبيًّا أو دينيًّا، ويشحذ همة الطالب في الدفاع عن تلك الرؤية، والدعوة إليها، والصبر على ما يواجهه في سبيلها، وهي رؤية تساهم في تكوين عقلية تتسم بنشدان الطهورية، وتتسم بالحدية في النظر إلى الرؤى الدينية المخالفة له؛ إذ إنها محصورة بثنائية (التوحيد والشرك)، وتتسم بالمفاصلة في علاقتها بالآخر المختلف دينيًّا.
الأمر الثالث: مما يلحظ أن معدي المقررات تنبهوا إلى أن بعض أفكار المقرر قد تدفع الطالب إلى ممارسة التكفير، ولهذا كثيرًا ما ينبهون إلى خطورة التكفير، والتحذير منه، ويكون نقدهم رفيقًا لبعض أفكار الفرق والمذاهب الإسلامية، لكن فكرة ترسيخ ثنائية التوحيد والشرك تجعل عقلية الطالب مبرمجة على تنزيل ذلك على أرض الواقع، خاصة في ظل وجود معلمين قد تكون لهم أفكار تخالف معدي المنهج.