مؤرخون يخلطون بين الصدقات والرواتب في الأوقاف (1-2)
الثلاثاء، ٢٩ ديسمبر ٢٠١٥
انتشرت المباني الوقفية في مكة المكرمة منذ القرن الأول الهجري، فأوقف الصحابة -رضي الله عنهم- عددا من المنشآت الخيرية بها، وأوقف من بعدهم التابعون ثم من بعدهم على التوالي.
وذكر الزبير بن بكار في كتابه جمهرة نسب قريش وأخبارها "أن المغيرة بن يحيى بن المغيرة بن عبدالرحمن القرشي وقف ضيعة يقال لها المعترضة في أعلى ستارة، على طعام يصنع بمنى أيام الحج، وأدركتهم يطعمون من صدقته الحيس بمنى".
وأوقف عمر بن عبدالعزيز دارا في مكة لنزول الحجاج والمعتمرين، وجعل نظارتها لبني شيبة.
واشترت رملة بنت عبدالله بن عبدالملك بن مروان دارا عند المروة، فتصدقت بها ليسكنها الحجاج والمعتمرون، وكان في دهليز دارها هذه شراب تسقي فيها في الموسم، فلم تزل تلك الدار يسقى فيها شراب رملة من وقوف وقفتها عليها بالشام، ويسكن هذه الدار الحجاج.
وعبر التاريخ أخذت الأوقاف على مكة والحرم بالنمو والتزايد، وبلغت ذروتها من حيث الاهتمام والموارد والتنظيم في عهد العادل نور الدين الزنكي، والذي كان أول من استثمر أموال بيت مال المسلمين في شراء أوقاف يصرف ريعها على المستحقين وأهل الوظائف، وشرط شروطا معينة لكل وقف، وذلك ليسهل وصول هذه الأموال لأصحابها.
خلط المؤرخين بين الصدقات والرواتب
ويجب أن نلاحظ هنا أن هذه الأموال بالرغم من أن مصدرها الأوقاف، لم تكن صدقات ومعونات فقط كما تشير إلى ذلك الكثير من الكتب التاريخية القديمة والمعاصرة في خلط واضح، حيث خلطت الكثير من المراجع بين أموال الأوقاف التي كانت تخصص كصدقات للفقراء، وأموال الأوقاف التي كان يصرف ريعها لأصحاب الوظائف في الحرم المكي أو في مكة في مقابل عملهم من أئمة ومؤذنين، وفراشين وكناسين ووقادين، ومعلمي الأطفال، وقراء القرآن الكريم وسقاة زمزم...الخ.
أي أن الأوقاف كانت جزءا من الميزانية المخصصة من الحكومة للصرف على القائمين بالوظائف، إلا أنه كان يعبر في كثير من المراجع عن هذه المخصصات على اختلاف أنواعها بالصدقات، على اعتبار وصولها ضمن الصرة السنوية التي كانت تصل إلى مكة المكرمة.
وممن وقع في هذا الخلط المؤرخ قطب الدين النهروالي في كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام عند تعريفه للذخيرة السلطانية، حيث يقول: بأنها صدقة تجهز من قبل المماليك أبقاها السلطان سليم على حالها، وأجراها في كل عام من خزينة مصر، تفرق على فقراء الحرمين الشريفين، وعلى مشايخ العرب، وأرباب الدرك، في طريق الحج"، ونلحظ هنا التناقض الواضح.
ففي البداية يذكر أنها صدقة ثم يعود للقول أن جزءا منها يوزع على مشايخ العرب، وأرباب الدرك وهؤلاء كانوا يقومون بوظيفتهم في حماية طرق الحج وحماية الحجاج، وليسوا من المستحقين للصدقات وهم من أرباب الوظائف.
وممن وقع في هذا الخلط أيضا المؤرخ أحمد السباعي، حيث يقول في معرض حديثه عن الجراية: "هي فضائل، قد يكون أجداد العثماني، أرادوا بها المثوبة والإحسان، أو مجرد السمعة، والدعاية أو غيرهما، إلا أننا لا نشك أن ذلك أساء إلى أهل الحرمين فقد عودوهم قبول الإحسان، بما في هذا التعود من خمول وكسل، وإذا علمنا أن هذه الصدقات ظلت جارية طوال قرون كاملة، وأنها كانت تتسع باتساع عدد السكان، وأن مخصصاتها كانت تعول جلَّ الأسر في مكة المكرمة، من العام إلى العام، علمنا نوع الإعداد الذي أعدَ فيه هذا الشعب، وبطل تعجبنا من تنشئة أجياله بالتعاقب على اقتناص الهبات والصدقات، واستغنائه بها عن الخوض في مجال الحياة، التي تخوضها أمم الأرض".
والحقيقة أن ما ذكره السباعي، وبغض النظر عن الأخطاء التاريخية التي وقع فيها، يدل على عدم إلمامه بموضوع الأوقاف بشكل كامل، فالجراية هي جزء من المرتبات العينية التي كان يتقاضاها الموظفون تبعا لوظائفهم، والجزء القليل منها يذهب للفقراء كنوع من الضمان الاجتماعي الذي تقدمه الدولة للأهالي والحجاج، وليس أدل على ذلك مما جاء في نظام صرف حب الجراية الصادر في 23 رجب 1335هـ حيث جاء في المادة 61 منه على أن "القدر اللازم من المرتب لشيخ العلماء وشيخ الخطباء، وكل واحد من المفاتي، ونائب الحرم الشريف، ثمانية أرادب، ولصنف المدرسين والخطباء والأئمة ستة أرادب، ولصنف الأئمة والمدرسين والمؤذنين أصحاب الوظائف خمسة أرادب، ولصنف بقية الخدمة من كناس وفراش وبواب وجباد وخادم المدرج، وخياط ثوب الكعبة، وسراج ووقاد أربعة أرادب، ولمن عدا من ذكر ثلاثة أرادب" والأردب هو مكيال ضخم لوزن الحبوب، ونلحظ هنا أن هذه الأرادب كانت جزءا من المخصصات العينية التابعة لمرتبات بعض الوظائف، وليست معونات.
makkawi@makkahnp.com