لست محجبة

كلما توجهت إلى مكان وجدت المزيد من الفتيات اللاتي كشفن طرحهن، ووضعنها كأوشحة على أكتافهن، فإذا ما تجرأ أحد على الحديث معهن رددت إحداهن بكل اعتداد «لست محجبة». أصبح الموضوع ظاهرة جديدة جرفت في طريقها المراهقات اللاتي يرفضن ارتداء الحجاب من الأساس، والفتيات اللاتي قلدن وجارين صديقاتهن أو الغالبية ممن حولهن، وامتدادا إلى السيدات الكبيرات اللاتي وجدن أنه تنازل مقبول في مقابل الانضمام أو الانخراط في دائرة اجتماعية أو مجال معين، بالإضافة إلى أن بعضهن اكتشفن فجأة أن الحجاب أصلا غير واجب، وأنه حان الوقت للتحرر من العادات والتقاليد البالية.
لست هنا بصدد الحكم أو تقرير ما الحلال وما الحرام، فلست مؤهلة لذلك، ولست على ثقة تامة بأنني خالية من الخطأ أو التجاوز لأنظر على غيري، كما أنني أدرك تماما أن الحجاب ليس مقياسا للصلاح، وأن هناك محجبات، بل ومنقبات، خاويات أو حتى سافرات في تصرفاتهن، وغير محجبات قمة في الفكر والرقي والاحتشام. إن ما أتحدث عنه هو ذلك الانجراف المرعب، والتأثر المفزع بالآخرين، والعوامل الخارجية، الذي يسيطر علينا فجأة، فنتجرد بسهولة من قيمنا ومبادئنا في مقابل المظاهر والرغبة في الحداثة. ما أتحدث عنه هو انسياقنا، وانسياق يافعينا وأطفالنا خلف كل جديد، وكل مُحدث، دون قياسه على مقياس الثوابت، والقيم، والدين، لنجد فجأة أن الحجاب أصبح موضة قديمة، وأن المحجبة يشعرها من حولها بأنها متشددة و(محبكتها بزيادة)، وأحيانا غير مرحب أو مرغوب بها.
نعيش في عالم تم تصميمه وإعداده وتهيئته لغير المحجبات، فأجمل الملابس المرتبطة بالأناقة والمواكبة هي تلك التي لا تناسب المحجبات. والرحلات والنزهات وأماكن الترفيه الشهيرة تشعر المحجبة بأنها شاذة وغريبة. أما في إعلامنا والذي يعتبر المؤثر الأول في تشكيل العقلية المجتمعية، فإن الشهرة والنجاح والفرص الكبيرة لنوع معين من النساء. وأما صاحبة الرسالة، المتمسكة بإيمانياتها وقناعاتها فلا مكان لها في فضاء الإعلام، رغم أنها تمثل الشريحة الأكبر من المجتمع الذي تقدم له. فما أبشعه من تناقض.
من قال إن المحجبة لا تضعف؟ ومن قال إنها لا تشتهي أن ترتدي الأنيق والجديد والدارج في الموضة، أو تظهر جمالها وتلفت الأنظار إليها؟ لم تُخلق المحجبات من حجر، فهن بشر لهن أهواء ورغبات، ولكن الفرق هو أنهن أدركن أن الحياة جهاد، وأن الأجر على قدر المشقة، وأن الأسهل ليس هو دائما الأفضل، وأن المحجبة بحجابها تستطيع أن تكون في قمة الأناقة والرقي، وأن ظهورها كامرأة منجزة ومؤثرة في العمل والملتقيات وهي متمسكة بقناعاتها، إنما يزيد من احترام وتقدير الآخرين لثقافتها وشخصها، وبالتالي لبلدها ودينها.