التاريخ وفهمه وفق ما ينبغي

لا توجد شعوب اليوم حاضرها مقيد بماضيها وتاريخها كما يحدث معنا نحن العرب، فنحن نستحضر التاريخ في كافة تحركاتنا فنجده بشكل مباشر أو غير مباشر يؤثر في فهمنا وتعاطينا مع واقعنا ونظرتنا للمستقبل.
يقال إن من لا (يدرس) التاريخ ويتعظ به فإنه حتما سوف يعيد تكرار مآسيه.
التاريخ يعيش معنا كل يوم في وعظ الوعاظ، وندوات السياسة، وفي نقاشاتنا الثقافية اليومية.
و(فهم) التاريخ فهما صحيحا دون تزييف هو العامل الأهم على الإطلاق لتسييرنا لكل شيء بطريقة صحيحة سوية.
منذ انتهاء ما يعرف بدول الخلافة ونحن نعيش حالات من الكر والفر الحركي والفكري مع بعضنا بعضا في أوطاننا.
نعيش مأزقا فكريا مع من أضفوا على تلك الدول قدسية لا تقبل النقاش في تفاصيلها، ذلك لأن المفهوم التاريخي لتلك الدول يحاول المنظّر عنها أن يقزم من الأوطان ويجعل وجودها آفة مقارنة به.
ذلك لأن التاريخ المطروح للفرد لم يطرح بصورة طبيعية فتصف دول ما يسمى بالخلافة التي (كانت) وانتهت كدولٍ طبيعية كسائر الدول التي عرفتها الحياة لها مالها وعليها ما عليها.
فأضيفت لها عند الحديث عنها مصطلحات قدسية أكسبتها حصانة غير مشروعة ضد النقد ومفهوما ضبابيا مغلوطا لدى المتلقي حتى بدت كأنها الكمال الذي ليس كمثله شيء.
فبالنظر إلى أي دولة تاريخية عُرف الحاكم فيها بمسمى (خليفة) نجد أن تاريخها السياسي والاجتماعي يطرح بطرحٍ مقدس مثالي تماما يجعل المتلقي مضللا تماما عن مفهوم أعمق لجوانب سياسية واجتماعية لتلك الدول، فمصطلحات مثل (دولة الخلافة) و(الخليفة) و(الدولة الإسلامية) كفيل بجعل المتلقي يرى تلك الدول ملائكية يعجز أن يكتب لها التاريخ أي سوأة.
أو بالأحرى أن المتلقي لا يمكن أن يستوعب عدم قدسية أنظمة تلك الدول وأنها كما دول وأوطان اليوم لها ما لها وعليها ما عليها، فتجده يعيش في أحضان وطنه وقلبه معلق بهدمه لإقامة مثل ما خيّل له أنها دول خلافة كالتي يُحكى له عنها.
مثل تلك الأطروحات للتاريخ دون تفاصيله الكاملة تجعل المتلقي في حالة من التضليل الفكري والشحن النفسي ضد واقعه اليوم.
فَلَو ألمّ أولئك المتلقون بالجوانب التي لم يُسلط عليها الضوء في تاريخ تلك الدول لوجد أن كثيرا من تلك المسميات -(خليفة، دولة إسلامية...إلخ)- استخدمت لأنها تناسب لغة الحكومات في حينها، ولوجد أن (كثيرا) مما في التفاصيل المخفية يجعلها مشابهة تماما لدول اليوم.
فبالنظر إلى تفاصيل تلك الحقبة السياسية بعين فاحصة وقراءة عقلانية سنكون أكثر اتزانا في التعاطي مع تاريخنا وحاضرنا، فتلك الدول قامت دولها وأنظمتها السياسية كسائر الدول التي تقوم وفق سنَن الكون، لها أنظمتها السياسية والاجتماعية التي اختصت بها كما أوطان اليوم، وإضافة القدسية عليها لتجريم النظرة النقدية المشروعة لها ينتج تاريخا ملائكيا وهميا يلقي بضرره على الحاضر.
فتلك المفاهيم المغلوطة والمضللة هي من تجعل المتلقي في صدام وعداء مع واقعه لجعله مرحلة ينتظر نهايتها ليكرر الزمن أحداثه التي ارتسمت في عقل المتلقي، أما (الدارس) للتاريخ فيعي جوانبه المخفية فيكون أكثر اتزانا تجاه الطرح التاريخي لتلك الدول التي كانت.
وما بين (الدارس) للتاريخ و(المتلقي) له يكمن الفرق في التعاطي.