كنوزنا المطمورة!

قبل أيام شاهدت فيلما مشوقا يستعرض حياة الأمريكية (تيمبل جراندين) الأسرية والدراسية، وإصابتها بالتوحد من الصغر، وحساسيتها المفرطة من عناق الناس حتى اخترعت آلة العناق للأشخاص ذوي الحساسية النفسية العالية، ثم استعرض الفيلم قوة إرادتها وإصرارها في مجالها البسيط وتخصصها في علم سلوك الحيوان، إذ كان أصحاب مزارع الأبقار يعانون من موت كثير من الرؤوس حين يحاولون إنزال الأبقار لعبور مغطس النظافة، فتمكنت من ابتكار الممشى الدائري ونجحت في تلافي حوادث الانزلاق والموت، وكان إصرارها محط الإعجاب رغم معاناتها من التوحد، واهتمامها به.
لم أورد نبذة عن الفيلم لإظهار إعجابي به، بالقدر الذي أعجبتني فيه وفي غيره الفكرة الرائعة لتوثيق قصص النجاح الملهمة، والتغلب على المعوقات أيا كانت، وفي هذا السياق أتذكر الفيلم الشهير عن شخصية المقاوم الليبي عمر المختار، وأن هذه الشخصية الرائعة والملهمة كادت أن تطمر في أحشاء الكتب كغيرها من الشخصيات العربية والإسلامية الملهمة، لكن ذلك الفيلم أحياها في ذاكرة الأجيال، ولا تزال ماثلة في ذاكرة كل من شاهد ذلك الفيلم الرائع.
في كتبنا التاريخية (المطمورة تحت غبار عزوفنا عن القراءة) آلاف الشخصيات التي تستحق التوقف الفني، وإبراز أدوارها في الحياة، وتعريف الأجيال بمجهوداتها، فهناك شخصيات شُوّهت لأسباب خاصة في عصرها، وتستحق الإنصاف منا، وشخصيات كانت لها أدوار محورية في الحضارة الإنسانية أغفلت وتناساها التاريخ ربما لبعدها عن مراكز صناعة القرار والوجاهة في تلك الحقب، ولا يمكن إغفال دور بعض الفنانين في إحياء بعض الشخصيات، في مجالي (الدراما/ والمسرح) لكنها لا تأخذ حقها من الانتشار، فعلى سبيل المثال، ما يُقدمه مسرح عكاظ وغيره من المسارح العربية عن شخصيات تاريخية تهمشه وسائل الإعلام، فمسرحية عكاظ تذاع مرة واحدة فقط على قناة الثقافية (ليلة الافتتاح)، في تجاهل من الإعلام لما صرف على تلك المسرحية، ووجوب انتشارها حتى تؤدي دورها المأمول في خدمة الشخصية التي تناولتها.
ولو جال النظر المنصف في مجتمعنا لوجدنا مئات الشخصيات السعودية والخليجية التي تستحق أن تتوقف عندها أقلام كتاب الدراما والمسرح والسينما، وتصوغ تاريخ حياتها ونضالها في خدمة المجتمع أو الوطن أو الإنسانية، وأن تحشد لها أدمغة المخرجين المميزين وجيوب المنتجين حتى نخرجها للأجيال وللوطن والعالم في حلة مشرّفة، فعلى الصعيد السياسي لدينا سيرة المؤسس ـ يرحمه الله ـ التي تستحق أن تتناولها عشرات الأفلام من جميع الزوايا، ثم ملوك المملكة والمواقف التاريخية في قضايا الوطن والعالمين العربي والإسلامي، وشخصية الأمير سعود الفيصل، والوزير الشاعر الدكتور غازي القصيبي، وعلى الصعيد الرياضي شخصية الأمير الملهم فيصل بن فهد، ونجوم الكرة السعودية ماجد عبدالله ويوسف الثنيان والدعيع وغيرهم، وفي المجال الثقافي لدينا الكثير من الأسماء المهمة كحمد الجاسر وعبدالكريم الجهيمان ومحمد الثبيتي وعبدالعزيز مشري، وعلى الصعيد الدعوي تظهر شخصية الشيخ الكويتي عبدالرحمن السميط، وقصة إمام الحرم المكي الشيخ ماهر المعيقلي عن معاناته في طفولته وإصراره، وعلى الصعيد العسكري لدينا أبطال في حرب الخليج الثانية، وفي عاصفة الحزم الآن لهم قصص شهيرة تدور على ألسنة العامة، وأبطال وشهداء الأمن، وفي المجال الطبي نجد الدكتور عبدالله الربيعة والعالمة السعودية حياة سندي، والنجاح المدهش للبروفيسور حامد البارقي، وعلى الصعيد الفني طلال مداح وفنان العرب محمد عبده، والممثل محمد العلي وبكر الشدي وغيرهم، وفي الشأن العلمي تزخر بلادنا بآلاف المخترعين الذين واجهوا عقبات جمة، غير أصحاب قصص النجاح الاقتصادي، وأصحاب الإعاقات الذين توطن الإصرار أرواحهم فصنعوا أمجادا مدهشة ومشرفة تلهم الأصحاء، كالعلامة ابن باز والدكتور سعد بن حسين، والواعظ عبدالله بانعمة والشاعر راشد القثامي، وغير كل هؤلاء من الأسماء التي تنتظر الأقلام والعقول الحصيفة التي تصنع الإبداع، وتبرز توهجهم الملهم.
المذكورون أعلاه ليسوا إلا أمثلة سريعة عن كنوزنا، فالوطن يزخر بالكثير من الأسماء الملهمة في شتى المجالات، ونحن يا أعزاء في عصر الدراما والفن السابع نغفل عن دور هذه الشاشة في صناعة المجتمعات، وإرسال الصور المشرفة إلى الآخر عن مجتمعنا وحضارتنا، فقد ملّ الناس ظهور المتحدثين عن الشخصيات، وسئموا مقالات التأبين وذكر محاسن موتانا اللامعين، فتلك الكتابات في رأيي تطفئ وهجهم، وكذلك ضاقوا ذرعا بمسلسلات الخيانة الزوجية وسرقات الأموال التي لا تقدم إلا السلبيات، فالمجتمع اليوم بحاجة ماسة إلى جرعات الإيجابية حول الوطن وأبنائه ومنجزاته، فقد غذى الوعّاظ سلبية فساد المجتمع والأمة، وأوغلت الدراما والروايات والقصص في هذا الجانب المظلم، حتى كرّست السلبية واللامبالاة في نفوس الكثيرين، والأشد إيلاما غياب كل هذه النماذج الإيجابية الملهمة، التي أجزم أن تناولها سيغير الكثير من الصور المشوهة داخليا وخارجيا.

alhelali.a@makkahnp.com