اكتئبْ.. فتاريخ الاكتئاب مشرّف!

مرة تحاورت مع دكتور ابن عم لي متخصص في الطب النفسي عن (الاكتئاب)، وصلنا وجلنا في هذا المضمار وساق لي هو من شواهد شعر المتنبي ما يدل على ذلك، حتى لكأن ذلك الشاعر القديم طبيب نفسه، وتجرأت أنا لأخبره بحدْسي بأن في سيرة بعض الصحابة رضوان الله عليهم ما يشير إلى نيل هذا المرض منهم كبشرٍ مثلما نالت من الحمّى التي تحدث عنها المتنبي في شعره.
وقلت لنفسي حينها بأنه ربما الخبر الذي جاءنا عن إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذَر الغفاري رضي الله عنه بأنه (يمشي وحيدا ويموت وحيدا) يدلّنا على تفاوت نفوس المسلمين حيال تكوين حالة (اكتئاب) كظاهرة طبيعية عند قراءة أحداث شخصية في تاريخ إنسانٍ ما في قرون ماضية.
حتى لكأني أعتقد بأن (الاكتئاب) كموجة أجواء تسكن نفسية بشرٍ ما هي مفصل كوْن الإنسان يتأثر بما حوله وما يجري له ولو اتسمت صورته الخارجية بهدوء طبع ومسلكية التزام وتديّن، لأن عوارض الأمراض شبه النفسية ليست اطرادا في العدم مع الطاعة والصالحات خاصة وأنّ الابتلاء نهْج ربّاني.
وما (الثلاثة الذين خلّفوا) من حالة (الاكتئاب) ببعيدٍ، وقد (ضاقتْ عليهم الأرض بما رحبت) وهم في حالتهم تلك حتى شاء الله فهيّأهم للشفاء.
لا أظنّ بأن قول أنبياء ورسل لله تعالى عليهم السلام حيال حالة يأس من أقوامهم إلا شيءٌ من ذلك (الاكتئاب) لم يعصمهم الله منه كما لم يعصمهم من موتٍ ولا داء، فنوحٌ عليه السلام أوصله حال قومه إلى أن يقول (ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا) لنجد بأن (اكتئابا) مستحقا وفق الطبيعة البشرية قدّره ربه عليه فاستجاب له لحكمة يعلمها هو سبحانه، وما تصرّف النبي يونس عليه السلام (إذ ذهب مغاضبا) من قومه إلا مثل ذلك في صورة (لاكتئاب) كردّة فعل أوصلته لحادثة التقام الحوت له ليسوقه ذلك للتسبيح فالنجاة، وكيف لا (يكتئب) يوسف عليه السلام وقد مرّ بتجربة قاسية لولا أن أخلصه الله له فاتّقى وصبر، ومن قبل (اكتأب) أبوه يعقوب عليه السلام (فابيضّتْ عيناه من الحزن فهو كظيم)، ولا يزال زكريا عليه السلام مثالا لمجاهدة (الاكتئاب) جرّاء العقم حتى استجاب الله له في ظاهر قوله (ربّ إني وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيبا)، فجعل له الله آية تناسب حالة (الاكتئاب) فقال (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سويّا)، وفي ذات الوقت الذي يقتنع فيه الأغلب بأن تعرض المرأة لنوبة (اكتئاب) بعد الولادة أمرٌ محتمل في الأيام الأولى جاءت في شيء من ذلك ردة فعل مريم ابنة عمران حيث قالت (فلنْ أكلّم اليوم إنسيّا) واستلهام الأمثلة من قصص القرآن في هذا المجال كثير لمن تفكّر.
واللافت هنا بأن (الاكتئاب) وتجاذب الرأي فيه طبيا واجتماعيا وتضارب النظرة تجاهه في نفوس الناس بين مجتمع وآخر وزمن وآخر في تعدد مسببات وكثرة توصيفات وتتابع علاجات وتوالي أساليب وقاية أضحى كل ذلك فزّاعة نفورٍ من الإقرار بأن تشخيص المرض بعنف التّعاطي مدعاة لموجة (اكتئاب) أكبر.
لكنّ ما سقته من تاريخ (اكتئاب) البشرية عبر العصور بالنصوص ربما يقع في نفس (مكتئبٍ) يقرأ لي فيعينه ذلك على تخطّي تلك المرحلة بالخروج الآمِن.
لست باحثا نفسيا ولا قريبا من ذلك لكنّني حين (أكتئب) ثم أخرج من محراب لزوميّاته أعرف بأنّ ذلك طبيعة بشرٍ خلقهم الله تعالى (فاكتأبوا) فقال لهم (ولا تهنوا ولا تحزنوا) وما التسلية القرآنية إلا فرعٌ عن تغيّر حصل في النَّفْس وإلا فهو عبثٌ وحاشا الله تعالى عن ذلك تقدّس وتنزّه.
ولعل رعاية (المكتئبين) بحقيقة جوانب أخرى تشفع لهم - أن أمضوا لخيرٍ - ولو قصرت النفوس عن أملٍ هي رسالة الإنسان للإنسان ووظيفة القلوب للقلوب تعاملا وفطنة ومراعاة، حتى لا يخرج الأمر عن السيطرة بالمقدار المسموح به علميا ليظنّ كل من (اكتأب) بأنه مجنونٌ لو علِم به أقصِي أو حوصر، والله بعباده لطيفٌ حين يلطف بهم من علموا.

baba.m@makkahnp.com