محو خطاب الكراهية
الجمعة، ٢٥ ديسمبر ٢٠١٥
إثر حدة الخطاب العنصري وتفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب، طالبت ألمانيا شركات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وقوقل وتويتر) بمحو أي خطاب يتضمن عبارات تشي بالكراهية. وقد وافقت هذه الشركات على طلب ألمانيا التي أثبتت بقيادة أنجيلا ميركل أنها الأكثر تحضرا وقبولا للآخر في التجربة التي خاضتها، متحدية الغرب باحتواء عدد كبير من اللاجئين السوريين. وليست ألمانيا هي الوحيدة، فثمة ضوء آخر سطع من كندا - وفي مقدمتها رئيس وزرائها الشاب - التي استقبلت آلاف اللاجئين بنشيد أثار الشجون واغرورقت له الدموع «طلع البدر علينا، من ثنيات الوداع».
ونكصت عن هذا التوجه الإنساني فرنسا في موقفها الأخير بدعمها لبشار الأسد، وكأنها تنتقم لضحايا هجوم باريس الأخير من الشعب السوري كله. أما الأكثر ارتباكا فهي بلاد الحرية وأكثر البلدان تحضرا وتغنيا بنبذ العنصرية. وإن لم يكن الموقف الأمريكي الذي تبدى في تصريحات المرشحين الرئاسيين رسميا حتى الآن فإنه في طريقه إلى ذلك، لأن كلا منهم تنضح خطاباته عنصرية ضد المسلمين، وتزيد في حالة دونالد ترامب.
هذه الدعوة التي استجابت لها وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها الأشد تكثيفا والأكثر استغلالا لمثل هذا النوع من الخطاب، يستغلها الأشخاص والجهات المختلفة لشعبيتها الواسعة. وهذه الخطوة تسهل على المستخدمين والجماعات المناهضة للعنصرية إبلاغ الفرق المتخصصة بالشركات الثلاث عن محتوى الكراهية، وعندما يظهر تجاوز لحدود حرية التعبير، وعندما يتعلق الأمر بمصطلحات إجرامية وتحريضية، والحث على شن جرائم تهدد الناس، يتم محو مثل هذا المحتوى مباشرة من على الشبكة العنكبوتية.
هذا بالنسبة لثلاث شركات فقط هي الأنجح في عالم الانترنت، ولكن ماذا عن بقية الوسائل الأخرى التي تتخذ من المنتديات أو «القروبات» المفتوحة أو المغلقة على الواتس اب مثلا مسرحا لنشر هذه الضغائن؟
هذه الحملة الخارجية ضد الكراهية ينبغي أن تقابلها حملة أخرى تسير في نفس الاتجاه وبشكل أكثر جدية. هذا الخطاب تتم ممارسته فيما بين أبناء الوطن العربي، فهناك تصنيفات على مستوى الإقليم الجغرافي، وتصنيفات على مستوى الجنسية، وحتى بين الحدود السياسية للدولة الواحدة. هناك تصنيفات على مستوى الطائفة، وعلى مستوى القبيلة، وفي كل منها يكمن الخطر. وهذه التصنيفات كلها تقوم على عنصري التميز والاستعلاء، مقابل دونية واضطهاد الغير، وهي أشد مضاضة مما يعانيه المسلمون والعرب في الغرب، لأنها في هذه الحدود الداخلية تهدم ركن الانتماء للأمة ككل، وتهدم في إطار الدولة الانتماء للوطن الواحد.
نجحت بعض الدول في النطاق العربي في سن قوانين تعاقب وتجرم العنصرية، كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأخيرا دولة البحرين. وهناك دول في نفس النطاق العربي تكثر فيها التصنيفات على أساس عِرقي وإثني وديني، دون أن يكون هناك قانون مفعل بطريقة واضحة.
أما لماذا تنجو الكراهية كفعل من شملها بأي من هذه القوانين، فلأنها على بشاعتها تعبير فضفاض قد يجمع في محتواه أيا من الممارسات والجرائم، ولكن يصعب الإمساك به ما لم يتحول إلى فعل واقعي مكتوب أو مُمَارس أو داع إلى اتباعه.
وما يهمنا هنا هو ذاك القدر الذي يستطيع الباحث في بحور الانترنت أن يخرج به، وهو أنه لا يغادر صفحة بحث ما إلا ويتعثر بإشارة إلى اسم قبيلة مدعومة بلفظ شبكة أو منتدى، حتى ليخيل إليه من كثرة ما يجد أنه ضارب في بقاع من الوهم. هذه التجمعات تعريفها الأولي أنها لقبائل أو عائلات يقول مؤسسوها على الانترنت إنها للتعارف ولتجمع شتات أعضائها تحت اسم واحد، وللتعريف بثقافات القبيلة وتاريخها العريق، ولكنها في الحقيقة تذهب إلى أكثر من ذلك من تمجيد وتنافس محموم.
mona.a@makkahnp.com