الاستثمار المكشوف للإرهاب
الخميس، ٢٤ ديسمبر ٢٠١٥
هناك عبارة نسمعها كثيرا، وتطلق في الفضاء الفكري جزافا، ثم يتم التعلق بادعاء حتميتها المحسومة في وعي بعض المتشددين الذين يلوحون بتلك العبارة في كل مناسبة، وهي أن الانفتاح الثقافي والفني والسينمائي في المملكة سيكون مدعاة لخروج الإرهاب! أو أنه سيثير الشباب (المتحمس) فيلجأ للإرهاب! نلاحظ هنا أن اللغة التي صيغت بها تلك العبارة – فيما يبدو – تتضمن التعاطف إلى أقصى نقطة مع أولئك الخارجين عن القانون، فضلا عن كونها عبارة تبريرية تدعم منطق الإرهاب وتقوي موقفه، ولكن هذا كله ليس مهما الآن.
ما أنا بصدده تحديدا هو مناقشة منطق تلك العبارة وتمحيصها من كافة جوانبها التاريخية، لنصل إلى فكرة حقيقية عن منشأ وتكون الإرهاب، ومتى فعلا وجه أسلحته علينا؟ مجتمعنا تعرض للإرهاب وفق صيغته المعاصرة مرتين، في سياقين مختلفين، كانت الأولى حادثة اقتحام الحرم المكي، والثانية مع انطلاقة موجة الإرهاب في تفجيرات مايو من 2003، بصرف النظر عن الحوادث الصغيرة التي سبقت هذين الحدثين الكبيرين، أو جاءت بينهما، أو تلتهما.
حادثة اقتحام الحرم المكي على يد مجموعة جهيمان لم تكن إلا المشهد التتويجي لسلسلة من الانشقاقات التي بدأت في صفوف (الجماعة السلفية المحتسبة).
تلك الجماعة نفسها، والتي خرجت منها مجموعة جهيمان، لم يكن تشكيلها – منذ الأساس – إلا ردة فعل أيديولوجية تجاه الوجود الإخواني الذي بدأ على أرض المملكة منذ أواخر الستينات، وبالتالي فكانت تلك الجماعة السلفية التي تشكلت لمواجهة الطارئ (الديني) الجديد تهدف إلى بيان ما يكتنف ذلك الوافد من (بدع) لم تكن مستساغة عند المزاج السلفي التقليدي الذي كون تكتله الجديد لمواجهتها.
تلك هي باختصار قصة (الجماعة السلفية المحتسبة) التي خرج منها جهيمان ومجموعته الذين لم يكونوا أساسا إلا في خندق المواجهة لأفكار ومشروع تيار الصحوة الذي شكلته هو الآخر تلك العناصر المستضافة أواخر الستينات.
ومن الخلط المشاهد ذلك الربط بين حادثة جهيمان وبين الصحوة، حيث التباين الصارخ في جذور النشأة والتكوين والغايات والأدوات.
فحين يهدد بعض الصحويين اليوم بعبارة ساذجة لا نفهم منها إلا فكرة (إما أن يتنفذ مشروعنا في السيطرة الاجتماعية وإلا فانتظروا الإرهاب)! فإن هذا التهديد لا يستقيم منطقيا حين كان أول إرهاب عرفه المجتمع ذا سياق آخر وغايات أخرى، تماما قبل أن تبدأ الصحوة في طرح مشروعها بديناميكية تسارعت فيما بعد تحت ظروف مرحلية أخرى!نأتي إلى الصورة الأخرى في الإرهاب الذي ضرب الوطن في 2003، سنجد أنه لم يتشكل إلا على أرضية سيطرت فيها الصحوة على كل شيء، حتى على الأنفاس، وبالتالي فما هو الشيء الذي أثار (حماسة أولئك الشبان) آنذاك؟ وما الذي كان قبل 2003 من ملامح انفتاح تصلح أن يتحجج بها هؤلاء لتبرير ذلك الإرهاب؟ هذا التسطيح لغايات السلوك الإرهابي لا يمكن تصديقه ولا حتى مجاملته.
الانفتاح الثقافي والفني والاتجاه نحو مفاهيم الحقوق والحريات، مخارج سوف تعمل على تحسين المسار السلوكي والنفسي والاجتماعي، وتساهم في صحة الفرد والمجتمع، ولن تسبب الإرهاب مطلقا، بل هي العلاج المفكك للتحصين الذي يتخذه الإرهاب في أي بيئة أحادية النمط تصلح لأن تكون متراسا لأي أفكار إقصائية تحث على العنف والكراهية.
هنا سيجد الإرهاب الرعاية المناسبة، وليس في بيئة يعلو فيها صوت الفنون التي تستنطق أعماق الإنسان وتفجر طاقاته الوثابة نحو الحياة والمنافسة الأممية، وتربطه بالعالم وتؤسس فيه أخلاق التعايش، وتهيئه نحو فهم ذاته وفهم من حوله؛ كي يكون إنسانا قابلا للحياة والبناء والمشاركة في عمارة الأرض!