ضبط الإنفاق العام والموازنة الصفرية

يتوقع أن تعلن يوم الاثنين القادم الموازنة العامة للدولة خلال جلسة مجلس الوزراء، وفقا لما ذكرته وتناقلته مصادر متعددة خلال الأيام الماضية، وهو إجراء معتاد، إذ تعلن الميزانية خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر ديسمبر من كل عام، هذه الميزانية ستأخذ زخما واهتماما أكبر لأنها تعلن في ظروف مختلفة عن سابقتها نتيجة تراجع أسعار النفط الخام الذي يمثل نحو 89 % من إيراداتها، مما يعني تراجع حجم النفقات العامة، ومراجعة آليات ضبطها لتتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
وقبل الحديث عن الآليات المقترحة لضبط الإنفاق، نلاحظ أن الحكومة كانت ملتزمة خلال عشرات الأعوام الأخيرة بنفقات توسعية دون التزام بسقف الإنفاق المقدر في الموازنة، ولذلك تزيد النفقات الفعلية في نهاية كل عام مالي عما رصد في الميزانية التقديرية، وبمراجعة حجم الإنفاق الحكومي في آخر ست ميزانيات، نلاحظ أن الزيادة في الإنفاق الفعلي عن المقدر تتراوح بين 12.8 % و39 %، في عام 2009 زادت المصروفات الفعلية بنحو 75 مليار ريال عما قدر في الموازنة.
وفي العام الذي يليه 2010 زادت هذه المصروفات بنحو 16 % بما يعادل 68.5 مليار ريال عن الإنفاق المقدر، وفي عام 2011 تجاوزت المصروفات الفعلية المصروفات المقدرة بنسبة 39 % تعادل 224 مليار ريال لتبلغ نحو 804 مليارات ريال، وفي العام الذي يليه 2012 زادت هذه المصروفات بنحو 163 مليار ريال أو 23.6 % لتصل في نهاية العام إلى 853 مليار ريال، وفي 2013 زادت كذلك بنسبة 12.8 % (105) مليارات ريال، وفي عام 2014 بلغت المصروفات الفعلية 1100 مليار ريال بزيادة قدرها 245 مليار ريال تعادل نحو 28.7 % عما صدرت به الميزانية، وفي العام الجاري حددت النفقات العامة بمبلغ 860 مليار ريال، ويتوقع أن تتجاوز هذه التقديرات كما يحدث كل عام.
هذه الزيادة في الإنفاق الفعلي فرضتها الظروف والمستجدات، مثل الصرف على الأعمال التنفيذية لتوسعة الحرمين الشريفين ونزع ملكيات العقارات والزيادة في الصرف على بعض المشاريع التنموية والخدمية والمساعدات الدولية، والالتزامات المترتبة نتيجة تثبيت العاملين على البنود، وتعويض صندوق التنمية العقارية عن الإعفاءات وزيادة رؤوس أموال الصناديق الحكومية، وتعكس رغبة الحكومة في تعزيز النمو الاقتصادي.
وكانت الظروف المالية آنذاك مواتية وتسمح بذلك لارتفاع أسعار النفط الخام في ذلك الوقت، وكانت الإيرادات المتأتية من بيع النفط قادرة على مقابلة وتغطية تلك الزيادة، وتحقق الميزانية إضافة إلى ذلك فوائض مالية كبيرة ساعدت في تخفيض الدين العام ما عدا العام الأخير 2014 الذي سجلت فيه الميزانية عجزا بلغ 54 مليار ريال، وعندما كانت أسعار النفط في مستوياتها العليا كان تجاوز سقف الإنفاق المقدر لا يشكل مشكلة أو ضغطا على المالية العامة.
لكن الظروف المالية تغيرت مع التراجع الدراماتيكي لأسعار النفط، وبالتالي فإن استمرار النفقات دون التزام بسقف الاعتمادات المقدر سيخلق مزيدا من الضغط على المالية العامة، واللجوء للسحب من الاحتياطيات أو إصدار مزيد من السندات في المستقبل، وكلاهما حلول موقتة لا يمكن أن تكون دائمة، وبالتالي فإن الحاجة إلى التفكير بشكل جدي في إعادة إدارة الميزانية وربط الإنفاق الفعلي بالإيرادات هو أفضل الحلول التي يمكن تطبيقها في إدارة موازنة الأعوام المقبلة حتى تتضح الرؤية حول مستقبل أسعار النفط وتؤتي برامج التحول الوطني ثمارها.
وربط الإنفاق الفعلي بالإيرادات المتحققة أسلوب مثالي في جميع الأحوال، لكن الحاجة له تكون أكثر في وقت الأزمات المالية كما هو الحال الآن، لأنه في أقل الأحوال يضمن تعادل كفة النفقات والإيرادات، وعدم تسجيل عجز مالي في نهاية العام، وبالتالي انتفاء حاجة الدولة للاقتراض أو السحب من الاحتياطيات النقدية، ولا يمنع ذلك من جانب التفكير في التحول التدريجي للميزانية الصفرية في المستقبل كبديل للأسلوب التقليدي الحالي، فالموازنة الصفرية تعد من الممارسات الأفضل في إعداد الميزانية والإدارة المالية للموارد، كونها تضمن تحقيق الأهداف القصوى من الإنفاق العام، والاستخدام الأفضل للمصادر والموارد، وزيادة الشفافية في عملية الموازنة لما توفره من إجراءات وأدوات تساعد في إدارة النفقات المالية، وتساعد في تحديد الأنشطة ذات الأولوية، ووضع سلم للأولويات، وترتيب المشاريع والبرامج بناء على ذلك، وكل ذلك في نهاية المطاف يضمن تحسین وتطویر الخطط والموازنات والمراجعة التشغیلیة وترشید الإنفاق.