أنقذ أم عبدالعزيز يا أمير حائل!
الأربعاء، ٢٣ ديسمبر ٢٠١٥
الخطاب الاعتذاري الموجه إلى هيئة الأمر بالمعروف من أم عبدالعزيز سيدة حائل أعاد بتداول صورته وتناقل خبره القضية التي حدثت في سوق برزان، حين أمر عضوان من الهيئة السيدة وابنتها بتغطية عيونهما عند جلوسهما أمام مبسط الأم الذي تبيع فيه مأكولات تعدها في بيتها، فرفضت ذلك.
وما يهمنا هنا هو الخطاب الاعتذاري نفسه من حيث علته والأفكار التي يتضمنها وخصائصه الحجاجية والمخاطب به (أي من يتجه إليه). فذلك يجاوز بدلالة الخطاب السيدة والهيئة والقضية موضوع الخصومة بينهما إلى ما هو أعم: مفهوم الحق ومبدئيته وعلاقته بصراع القوة وتنازعها في المجتمع.
إن الخطاب الذي صيغ على لسان أم عبدالعزيز (فهي ضمير المتكلم فيه) جاء تحت عنوان ترويجي: «حقيقة اعتداء أعضاء الهيئة على البساطة أم عبدالعزيز في سوق برزان». وهكذا لا يحيل العنوان على المتكلم في متن الخطاب، بل يبدو بياناً لغرض الخطاب منظوراً إليه من غير من صيغ الخطاب على لسانه.
وأم عبدالعزيز التي صيغ الخطاب على لسانها تحمل غرضاً مختلفاً – بالتأكيد - عن غرض العنوان، وهو طلب البراءة لها، وهذا غرض لا تعلله صيغة الخطاب فقط، التي تتناقض مع الحادثة كما تحدثت عنها في حينها، بل يضاف إلى ذلك حديث أم عبدالعزيز (المنشور في مكة) عن الخطاب، متهمة محامي عضوي الهيئة بتضليلها وابنها عبر التوقيع على الخطاب، ليتم التنازل عن القضية المرفوعة ضدها من العضوين؛ فما زالت قضيتها منذ نحو عام عالقة من تحقيق في تحقيق.
الغرض من الخطاب وعلته من جهة أم عبدالعزيز ذرائعي ونفعي؛ فهل يختلف الغرض الذي يحمله عنوان الخطاب، فيغدو الـ«حقيقة» أي الكشف عنها، كما ورد فيه! هذا -بالطبع- لا يستقيم، فهو استغلال لذرائعية السيدة وحاجتها يُبطِل شهادتها، ويجعلها ضد التزكية و«الحقيقة» التي يراد منها بلاغها.
أما إذا جئنا إلى متن الخطاب، فإننا نجد طرفين متخاصمين، وهما: الهيئة من جهة، ووسائل الإعلام من جهة أخرى. وفي حين يوصف رجال الهيئة بـ«المحترمين» ويقدم على لسان أم عبدالعزيز وابنتها الاعتذار لهم، وتكذيب حدوث إهانة أو اعتداء منهم عليهما، وإسهاب في الإشادة بدورهم «المشرف في تدعيم قيم الشرع...» وشكرهم على جهودهم الجبارة... الخ. يُحمَّل الإعلاميون مسؤولية ما حصل من «ضجة» وأنهم «أججوا نار الفتنة والشر» وإقرار «أن جميع الإعلاميين الذين تناولوا الموضوع مغرضون وحاقدون» وترجو محاسبتهم والاقتصاص منهم بما يستحقون من عقوبة «فهم أشبه بإعلاميي الصحف الصفراء».
ومن الواضح أن المخاطب بهذه اللغة التصنيفية، ليس رجال الهيئة ولا الإعلاميين (وكلاهما في موضع ضمير الغائب في الخطاب) بل الرأي العام بقصد تجميل صورة الهيئة وحصر رجالها في خيرية مطلقة، وتشويه الإعلاميين وحصرهم في شر مطلق والاستعداء عليهم لأنهم تحدثوا بما يسيء إلى الهيئة.
وهو خطاب لا يبرهن على دعواه إلا بلغة الشهادة التي بدا -كما تحدد في غرض الخطاب- اضطرار الشاهدة لا اختيارها في ما قالت. ولكنه خطاب يستحضر الصراع الاجتماعي الذي قسم المجتمع السعودي إلى تيارين يتنازعان القيمة والمعنى ويتغالبان على السيادة والنفوذ. أي أنه خطاب تأخذ فيه الهيئة صفة تصنيفية أولى، على الرغم من أنها جهاز حكومي تفرض نسبته هذه عليه التمنع عن الفرز الاجتماعي والفكري بالمعنى الانتقاصي والإقصائي، وتأخذ وسائل الإعلام الصفة التصنيفية الشائهة المقابلة.
ليست وسائل الإعلام ولا منتقدو أخطاء الهيئة ضد الهيئة بالمعنى المبدئي، بل هم شركاؤها مبدئياً، ولذلك يغدو الخطاب، في ذرائعيته وانتهازيته وفي لغته الفرزية والاستعدائية مسيئاً للهيئة أكثر من غيرها. ويخيَّل إلي أن على الهيئة أن تقتص من المحامي الذي أساء إليها بهذا الخطاب.
أما ما يتضمنه الخطاب من الدلالة على التكالب ضد أم عبدالعزيز وقلة حيلتها، فلا حل عاجلاً له إلا تدخل أمير المنطقة: إنها أمانتك يا سمو الأمير فأنصفها!