تعليمنا المشكلة في التأسيس
الأربعاء، ٢٣ ديسمبر ٢٠١٥
بمناسبة تعيين الأمير فيصل بن عبدالله وزيرا للتربية والتعليم في عام 1430هـ استضافت قناة (دليل) الأستاذ جمال خاشقجي للحديث عن رؤيته للتعليم بعد تعيين الأمير، وطلبت مني القناة المداخلة أثناء اللقاء، فكان مما قال الأستاذ جمال: إنه متفائل جدًا باستلام أحد الأمراء دفة الوزارة؛ نظرًا لقدرة الأمير على اتخاذ خطوات جريئة لإصلاح التعليم، وأحسب أن الأمير سيقوم بوضع بصمته التجديدية على مسار التعليم لدينا.
وقلت في مداخلتي: إني غير متفائل؛ لأن شخص الوزير وحده لا يستطيع عمل شيء ذي بال إلا بتوفر ثلاثة شروط، الشرط الأول: أن يكون الوزير يملك رؤية واضحة لمشروع محدد يريد من خلاله تطبيق رؤيته الإصلاحية على التعليم، والشرط الثاني: أن يكون ذلك المشروع ضمن رؤية استراتيجية للحكومة فيما يخص إصلاح التعليم، فيستمد الوزير من تلك الاستراتيجية الجرأة والشجاعة على التغيير والإصلاح، والشرط الثالث: أن يكون توجه الرأي العام يساعد على الإصلاح.
وقد جرت في ساقية التعليم مياه كثيرة منذ ذلك التاريخ، ولم يحصل ما توقعه الأستاذ جمال، وأحسب أن الأجواء اليوم مواتية إلى حد ما للإصلاح المنشود، فالوزير الجديد صاحب رؤية واضحة فيما يخص التعليم، فقد شخَّص جوانب الضعف في كتابه (إصلاح التعليم في السعودية)، واقترح رؤى إصلاحية للنهوض به، وثمة توجه حكومي لوضح استراتيجية شاملة للتطوير والإصلاح يقوده مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية من خلال برنامج التحول الوطني، ومن أهداف البرنامج المعلنة إصلاح التعليم، أي أنه قد تحقق شرطان من الشروط المطلوبة لإحداث التغيير والإصلاح في التعليم.
وفي كتاب (إصلاح التعليم في السعودية) للوزير الجديد أفكار رائعة للإصلاح الشامل كوضع وثيقة جديدة لسياسات التعليم، وإعادة النظر بدور وزارة التعليم، وتطوير المناهج، وإعادة الاعتبار لمهنة التعليم، هذه الرؤية الشمولية لإصلاح التعليم تظل فكرة نظرية رائعة، لكن ربما يعوقها عدم تحقق الشرط الثالث، وهو تأييد الرأي العام.
وليس بين يدي قياس للرأي العام، وهذا ما يجعلني أشك كثيرًا في القدرة على تحويل تلك الرؤى الإصلاحية التي طرحها الوزير في كتابه إلى واقع عملي، إذ ربما تواجه عقبات من البيروقراطية، ومن لوبيات الضغط المؤيَّدة بالرأي العام، مما يفرغ المشروع من محتواه، ولهذا لا يكون أمام الوزير الجديد من خيار إلا الاكتفاء بوضع بصمته - وإن كانت صغيرة - على مسيرة التعليم، وأحسب أن أهم ما يجب الاعتناء بوضع البصمة فيه هو فكرة (التأسيس) للطالب.
ويكمن التأسيس في العملية التعليمية في اكتساب مهارتي القراءة والكتابة، فهما أهم المهارات على الإطلاق؛ إذ بهما يستطيع الطالب الإبحار في كل جوانب المعرفة، وهما أول خطوة من خطوات إتقان مهارات الفهم، والإدراك، والتحليل، والتفكير، والحوار، فمن دون إتقان مهارتي القراءة والكتابة يستحيل إتقان تلك المهارات، والملاحظ لدينا أن طلبة التعليم العام يصلون للمرحلة الجامعية، والغالبية لا تستطيع كتابة جملتين مفيدتين معًا، أو تقرأ سطرًا قراءة سليمة، أو تعبر بطريقة سلمية.
والسبب في هذا ضعف التأسيس في مهارتي القراءة والكتابة، وذلك لأن الطالب في المرحلة الابتدائية يكلف بمناهج كثيرة تزاحم مقررات تعليم القراءة والكتابة، فمقررات الصف الأول الابتدائي: (قرآن/ فقه وسلوك/ توحيد/ رياضيات/ قراءة وكتابة وأناشيد/ تربية فنية/ تربية رياضية)، والمقررات نفسها في الصفين الثاني والثالث مع زيادة مقرر العلوم.
ولهذا حبذا لو تبنت الوزارة قصر مقررات الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية على مقرري (القراءة والكتابة)، ويدخل ضمنها حفظ النصوص، والإملاء، وتعلم فن الإلقاء، وقديما كانت الكتاتيب مدركة لأهمية إتقان مهارتي القراءة والكتابة قبل أن يكلف الطالب بتعلم أي مهارة أخرى، ولهذا كانت تكرس الوقت كله في تعليم الأطفال أسماء الحروف وكيفية نطقها وكتابتها.
وتستعين بالطريقة البغدادية في كيفية نطق الحروف بالحركات، فكل حرف يضبط بجميع حركاته: ( بَ /بِ/بُ)، ثم تنتقل للكلمة الواحدة، ثم بعد ذلك للعبارات التي تتكون من كلمتين، ثم من ثلاث كلمات وأكثر، ثم إذا أتقن الطالب تينك المهارتين إتقانا تامًا، انتقلت به إلى مبادئ العلوم الأخرى (التوحيد، والفقه، والحساب).
ولهذا كان مستوى الطلبة لا يقارن بمستواهم اليوم، وبين يدي أسئلة مقرر القواعد للصف السادس الابتدائي في عام 1376هـ، أجزم أنها لو طرحت على طلبة الجامعة اليوم لم يستطع كثير منهم الإجابة عنها، وليس المقصود من حديثي تقرير الطريقة البغدادية أو الرجوع لمناهج تلك الأعوام، لكن المقصود أنه لو اقتصرت مقررات الصفوف الثلاثة الأولى على إتقان مهارتي القراءة والكتابة بأي طريقة مناسبة يراها التربويون فإن ذلك سيسهل كثيرًا على الطالب اكتساب بقية المهارات التي يسعى إليها التعليم كمهارات (الفهم والاستنتاج، والتحليل، والحوار، والتكفير)، وستكون الخطوة الأولى في مسيرة الإصلاح الحقيقي للتعليم، ويصدق على هذا المثل الصيني: لا تطعمني السمك، بل علِّمني كيف أصطاده.