غرباء في هذا الكوكب

لم يكن المرء ليصدق أنه بعد كل ما فعلته العولمة من إذابة للثقافات في بعضها البعض، حتى لم يعد هناك شيء مميز في هذا العالم، ابتداء من العادات والموروثات وحتى السلوك السياسي والنقلة الكبيرة في العلوم والتكنولوجيا، أن هناك شعوبا غريبة تعيش معنا على ظهر نفس الكوكب.
في الواقع تراجعت الخصوصية الثقافية لصالح العام، وفتح المجتمع البشري صدره واسعا للعولمة، وإن لم يفعل فسوف يقتلع منه القبول بها اقتلاعا، وما عدا ذلك يظل غير مواكب، وربما تقف نشاطاته كلها عند نقطة واحدة يتجاوزها العالم بأزمان معنوية عديدة. وسط هذه الأحداث المتسارعة على كافة الصعد تجاهد المجتمعات في التنقيب عن موروثاتها لحفظها في قائمة التراث الإنساني، تاريخا ذاخرا بالطبع وليس ممارسة.
على الجانب الآخر من العالم نجد نوعا من تحدي العولمة أو الجهل بها، أبطالها بعض القبائل التي تحاول العيش بعيدا عن الحضارة والحفاظ على عاداتها وثقافاتها، ومن فرط تشددها في ذلك فقد هجرها أغلب المنتمين لها أو انقرضوا حتى باتت هذه التكوينات مهددة هي الأخرى بالانقراض، وقد تختفي نهائيا عن الوجود. وقد أورد موقع (Listverse) عددا منها تبدو غريبة في ممارساتها وبعيدة زمانيا وكأنها تعيش في كوكب آخر لم تزره التقنية من فرط تشدد حراس هذا النوع من الثقافات - وغالبا هم زعماء هذه القبائل - بعدم السماح لثقافتهم بتلاقحها مع غيرها، أو دخول أي غريب إليها.
وهذه النماذج في مجملها طريفة إلى درجة الرثاء ولكن أكثرها إثارة للتعاطف هي قبيلة إندونيسية تسمى (كوراوي) وهي موغلة في البدائية، ما زال أفرادها يسترون أنفسهم بورق الموز، ويتكون غذاؤهم الرئيسي من الموز والخنازير البرية والغزلان، ولكن لديهم ممارسة تاريخية رئيسية هي أكل لحوم البشر، التي يبدو أنها عادة تقتصر على المناسبات السعيدة لديهم. وتصور لهم هذه العادة الوحشية خيالا أكثر توحشا وحيال ذلك يقومون ببناء بيوتهم على الأشجار وعلى ارتفاع 12 مترا، حيث يعتقدون أن هذا البعد سيجنبهم هجمات جثث السحرة التي تسير على الأرض عند حلول الظلام. غالبية هذا الشعب يموتون في عمر مبكر لانعدام وسائل العلاج والأدوية لديهم. وقبل وصول علماء الأنثروبولوجيا إلى هذه المنطقة لدراستها، لم يكن هذا الشعب يعلم أن هناك غرباء يعيشون فوق كوكب الأرض.
أما النموذج الآخر فهو لقبيلة تسمى (لاداخ) وتعيش في جبال الهملايا وصفها الأنثروبولجيون بأن حياتهم كانت مثالا للصبر والتسامح والصدق قبل كل القيم الأخرى، حيث إن الناس يحرصون على مساعدة بعضهم بعضا دائما. وليس هناك غنى ولا فقر، لا يعرفون الكذب ولا السرقة ولا العدوان. وهذه الحياة النقية تقوم على أرض قاحلة صيفا متجمدة شتاء وقد كانت معزولة عن العالم حتى عهد قريب، حيث تم بناء طريق لربط المنطقة ببقية الهند. ومن ذلك الوقت تسرب السياح إلى المنطقة وأحس سكانها ببدائيتهم وخجلوا من نمط حياتهم، وعندما بدؤوا التغيير عرفوا الفقر والمنافسة والأنانية والإحباط، فتهدمت عائلاتهم وعلاقاتهم الجميلة.
قد تبرز المفاضلة الأشهر من بين هذه السطور - ومن نماذج أخرى عديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها - أنه هل من الأفضل أن يعيش الناس منكفئين على ما لديهم دون الارتباط بالعالم الخارجي، وهذا يبدو في حكم المستحيل لأن أي مجتمع بشري يكون مثل هذا الخيار في ذهنه سيعيش بعد مدة قصيرة خارج التاريخ، أو أن تتم مسايرة العولمة والاستسلام إلى موجها الجارف، وبهذا قد تنجح مجتمعات في المواكبة وهي ضرورية ولكن ستصبح أسيرة لهذه التيارات ومسلوبة الإرادة. أما الحل الذي يقدمه منظرو العولمة فهو شيء من هذا وذاك، ولكن يظل التقدير هو المعضلة الكبرى وبوابة الجدل المفتوحة على مصراعيها إلى أن يشاء الله.