4 أدلة لأخطاء مؤلفي أطلس طريق الهجرة
الثلاثاء، ١٨ فبراير ٢٠١٤
جادل الباحث في معالم المدينة المنورة التاريخية والسيرة النبوية عبدالله الشنقيطي في عدد من الأخطاء التي يؤكد أن كتاب «أطلس طريق الهجرة النبوية»، الذي أصدرته هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وقع فيها، خلال وصف الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة المنورة
وإذ يشير الأطلس، في بداية وصف الطريق من جبل ثور باتجاه الساحل، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزل من غار ثور سلك وادي إبراهيم حتى وصل إلى أم هشيم وهي في أسفل مكة (غربها) في طريقه إلى الساحل، ثم فجأة انعطف يمينا سالكا وادي المقر متجها شمالا للوصول إلى الحديبية ثم فج الكريمي (ثنية المرار) جاعلا جبال الخشاش (جبال شرق جدة) عن يساره سالكا وادي الصغو ثم وادي الغولاء غرب عسفان
يؤكد الشنقيطي أن ذلك الوصف يخالف ما أجمع عليه المؤرخون والمحدثون من أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك الطريق المؤدي إلى الساحل حتى وصل إليه، وسار فيه جاعلا الجبال إلى يمينه والبحر إلى يساره ولكنه لم يصل إلى البحر فلم يقل بذلك أحد والنصوص لا تحتمله –على حد تعبيره، واستعرض الباحث أربعة الأدلة -»متواترة ومتضافرة» حسب تعبيره- تثبت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم طريق الساحل:
1 ما رواه ابن إسحق في السيرة النبوية: «لما خرج بهما الدليل سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان»
ويعلق على تلك الرواية: (هذا نص واضح وصريح أن الركب النبوي أخذ طريقه في الساحل وهو ساحل جدة ولا ساحل غيره حتى وصل أسفل من عسفان؛ وعندما نقول الساحل فإن ذلك يعني أنه جعل الجبال يمينه والبحر يساره لا يفصله عنه فاصل حتى لو لم يصل إليه)، مشيرا إلى قول ياقوت الحموي في معجم البلدان « لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل مساحلا حتى انتهى إلى قديد فانتهى إلى خيمة منتبذة » وذكر الحديث
وهو كذلك نص واضح لا لبس فيه من أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك الساحل منذ أن تجاوز الجبال ووصل إلى الساحل فكانت جبال الخشاش عن يمينه واتجه شمالا حتى وصل إلى خيمتي أم معبد في وادي قديد، ومعروف أن خيمتي أم معبد في الساحل بين البحر وحرة المشلل (حرة القديدية)
2 ما جـاء في صحيح البخاري « وانطلق عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق أذاخر وهي في طريق الساحل»
ويرى الشنقيطي أن أذاخر هنا ليست ثنية أذاخر (ريع ذاخر) الموجودة في أعلى مكة، ولم يرد في معاجم الأماكن أو كتب تاريخ وجغرافية مكة المكرمة معلم في أسفل مكة يدعى «أذاخر» ولكن باقتفاء أثر الركب النبوي وعلى مسافة نحو 30 كلم نصل إلى جبل يسمى قديما «خذارق» ويدعى الآن «خثارق» وهو على طريق الساحل لذلك أرجح أنه هو المقصود، وأن اللفظ دخله تصحيف أو تحريف من الناسخ أو من أحد رواة الحديث نظرا لتقارب حروف الكلمتين «أذاخر و»خذارق» وبسبب شهرة أذاخر لأنها هي الثنية التي دخل منها النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وتكرر اسمها مرات كثيرة في كتب الفقه والسيرة فربما كان ذكرها في هذا الحديث سبق قلم أو لسان خصوصا أن «خذارق» لم يتكرر في أحاديث أو روايات أخرى
3 ما رواه البخاري في لفظ آخر «فارتحلا وانطلق عامر بن فهيرة والدليل الدؤلي فأخذ بهما يد بحر وهو طريق الساحل»
ويد بحر يعني طريق البحر وهذا الطريق لا يمر على عسفان أو قريبا منها بحيث يمكن أن يرى منها ويوجد فاصل أو حاجز طبيعي (جبال الخشاش) بين عسفان وهذا الطريق، ولذلك ورد في الطبقات الكبرى لابن سعد في قصة إسلام عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام «أنهما خرجا مهاجرين وجاء الخبر قريشا فخرج خالد بن الوليد ومعه نفر من قومه حتى بلغوا عسفان فلم يصيبوا أثرا ولا خبرا عنهما، وكان القوم قد أخذوا على يد بحر حتى خرجوا على أمج، طريق النبي صلى الله عليه وسلم التي سلك حين هاجر إلى المدينة»
وهذا دليل – بحسب الشنقيطي- أيضا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمر بالثنايا ولا بالحرار التي حول عسفان وإلا كانوا وجدوا لهما خبرا هناك، ولكنهما اتجها مباشرة من الساحل إلى أسفل أمج (قرب ثول الآن)
وذهب عبدالله الشنقيطي الذي تمنى من القائمين على (أطلس الهجرة النبوية) أن يعيدوا النظر فيه عند إعادة الطبع، إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما نزل من غار ثور في الهزيع الأخير من الليل سار في طرق غير ممهد وغير معهود السير فيه، ومعظم سيره في البداية كان في وادي إبراهيم وهو بالتأكيد كان مليئا بالأحراش والصخور والظلام دامس (في آخر الشهر القمري) لذلك فسيكون سيره وئيدا وبطيئا نسبيا، ولكن رغم ذلك فقد جد الركب النبوي في السير حين بزغ الضوء، وقبل منتصف النهار كان على بعد نحو 30 كم من جبل ثور وأمامه سلسلة صخرية هي النهايات الجنوبية لجبل «خثارق»، وإحدى هذه الصخور كانت بارزة ولها امتداد أفقي إلى جهة الشمال (الشمس في خط الاستواء تقريبا لأنهم في سبتمبر) لذلك كان ظلها وارفا وكافيا لهم جميعا فاتجه الركب النبوي إليها ليستريح في ظلها برهة من الوقت
4 وصف أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه البخاري «أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه وبسطت فيه فروة وقلت نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة قلت أفي غنمك لبن قال نعم قلت أفتحلب قال نعم فأخذ شاة فقلت انفض الضرع من التراب والشعر والقذى قال فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض فحلب في قعب كثبة من لبن ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه فوافقته حين استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت اشرب يا رسول الله قال فشرب حتى رضيت ثم قال ألم يأن للرحيل قلت بلى قال فارتحلنا بعدما مالت الشمس»
وينتهي الشنقيطي إلى أن هذه الصخرة في مرتفع يشرف على سهل فسيح تكثر فيه الأعشاب والشجيرات فهو مناسب للرعي وتنمية الماشية، ولا يبعد كثيرا عن مكة المكرمة لأن رعاة الأغنام لا يبعدون كثيرا عن معازيبهم بعكس الإبل فهي تذهب بعيدا ثم تعود