11 يوما من الركض في كتاب جدة تفرز 11 ملمحا

يختتم اليوم معرض جدة الدولي للكتاب فعالياته، بعد 11 يوما من الحراك المعرفي، والتفاعل والإقبال والمواقف المتنوعة بين المنظم والزائر والقارئ والناشر، وهنا 11 جانبا منها:

1 - الكتاب من أمامك والبحر من خلفك

تقف في «طوابير» الانتظار الطويلة والممتدة من الماء إلى المساء، وأنت تهجس في حنايا روحك المتشظية بين الخيبة المخيمة: الكتاب من أمامي والبحر من خلفي، فأيهما أقرب للغرق؟ لتجتاز بعدها بوابات «التفتيش» عن الأشياء والأشلاء، عن الأفكار والشنط اليدوية، وتدلف إلى مسارات تحتشد فيها الكتب وتزدحم فيها المناكب والأكتاف، مسارات عدد المنظمين فيها يعادل تقريبا عدد الزوار.

2 - قنوات للاستهلاك الإعلامي

في أغلب زوايا وردهات المعرض تنتشر الكثير من القنوات الإعلامية الرسمية والتجارية، ويقف بعض منسوبيها أمام بوابات المعرض من الداخل وفي ممراته لاصطياد الوجوه المألوفة من مثقفين وإعلاميين، وهذا جزء من مسؤوليتهم الإعلامية أمام هذا المشروع الثقافي الكبير. ولكن طريقة اختطاف الضيف لإشغال وقت البرامج بأكبر عدد من الضيوف، دون إعداد مسبق للحوار، يحيل المسألة إلى ما يشبه «سلق البيض».

3 - التوقيع في صالات الأفراح

كان من المقرر بحسب الأسماء المجدولة من قبل موقع المعرض الالكتروني أن يوقّع أكثر من 280 اسما على مؤلفاتهم، إلا أن العدد تجاوز 680 اسما بحسب مصدر من داخل المعرض بعد أن قُلّص الوقت المحدد من ساعة إلى ساعة إلا الربع إلى جزء من الساعة للبعض، اللافت أن بعض المنصات تحوّلت إلى استعراض و «كوش» أفراح، وسط أكاليل الورد وأطباق الحلوى وفلاشات الكاميرات، بينما الأكف تلتهب بالتصفيق لأسماء طارئة على المشهد الثقافي.

4 - مثقفون غائبون

الكثير من الأسماء الثقافية الغائبة بمزاجيتها الصعبة، أو المغيبة تماما عن المشهد الثقافي، تتنقل بصمت في أجنحة المعرض قاصدة دورا بعينها وكتبا بعناوينها، تتزوّد بالوفير من المؤلفات التي لا يمكن أن تتحصّل عليها سوى في مثل هذه المعارض الدولية، تخرج بعدها إلى فضاءات البحر، وتدور رحى نقاشات وحوارات خلاقة حول الكتاب والهم المعرفي الآسر، بعيدا عن منصات التنظير ومنابر الثقافة الرسمية.

5 - البيع من تحت الطاولة

يشيع بعض الناشرين أو المؤلفين أن هناك كتبا مُنعت، وذلك سعيا منهم لترويج أكبر عدد من الكتب المفسوحة أصلا من قبل وزارة الثقافة والإعلام للقراء والمهتمين، ويجيد بعض الناشرين التمثيل والتذاكي عند سؤاله عن مؤلف ممنوع، وفي غفلة من زوار الدار يرمقك بغمزة، ويخرجه لك من كرتون مخبوء تحت الطاولة بسعر مضاعف، زاعما أنها آخر نسخة، بينما تقبع عشرات النسخ الأخرى في كراتين تغذي الدار بالمخاتلة والوهم.

6 - غياب القدوة

كان ضابط الأمن أحد المسؤولين على تنظيم الحركة المرورية أمام المعرض متذمرا بسبب الوقوف الخاطئ على الأرصفة من قبل بعض الزوار، سألته متطفلا عن السبب، فأجاب إنها فوضوية يمارسها البعض، مع أن المواقف متوفرة، ولكن الجميع يريد أن يتوقف قريبا من بوابات المعرض، وعلّق ساخرا: إذا كانت هذه سلوكيات المثقفين، فكيف هي سلوكيات العامة من الناس؟

7 - طواويس تتبختر

في مشهد هو الأقرب لمشية الطواويس تلحظ بعض نجوم الشاشات القديمة والإعلام الجديد، والذين هم مثار جدل يسرحون ويمرحون، يتفرسون الوجوه التي تشير عليهم، علّهم يحظون بمصافحة عابرة أو صورة «سليفي» مع أحد المعجبين. بعض هؤلاء أصبحوا أوراقا محروقة أمام جيل تغيّرت لغته، وتطورت أدوات تواصله مع الكائنات الواقعية والافتراضية على حد سواء، بيد أن هؤلاء الطواويس لا يزالون يظنون أن الزمن توقف على حافة ساعات أيديهم الموشاة بالكرستال الفاخر والكسل القاتل.

8 - دكان الأكاديمي

على أحد منصات التوقيع كان الأكاديمي «رجل الأعمال» ينتظر زبائن المجاملات ليوقع لهم إصداره، إلا أنه خلال وقته المخصص لم يوقع سوى ثلاث نسخ على الرغم من مرور العشرات من الزوار والتوقف للحديث معه سريعا. والسبب الرئيس حسب ما علمت أن يطلب من كل زبون يأتي لدكانه «المنصة» شراء الكتاب أولا من دار النشر ثم إحضاره للتوقيع عليه، غادر بعدها المنصة ليجلس خارج الخيمة يحتسي الشاي ويستخرج الفوارق السبعة بين التاجر والمثقف الحقيقي.

9 - زوّار الترانزيت

بين الشراء العشوائي الذي يقدم عليه بعض الحضور بعد أن يسأل صاحب دار النشر بكل سذاجة: وش تنصحني أشتري من دارك؟ وبين المثقف الذي أحضر في جواله قائمة من الكتب التي اختارها بعناية، هناك زوّار المطارات الذين يخططون لكل دقيقة يقضونها في مدينة جدة، تحط بهم رحلتهم الجوية في وقت مبكر، ليبتاع ما يريد في جولة يتيمة
تمتد لساعات عدة تبتدئ من ساعات النهار الأولى، وتنتهي بالعودة إلى المطار في آخر ساعات المعرض.

10 - اللي ما يشتري يتفرّج

قرب خيمة المعرض من البحر حوّل هذا المكان إلى منتجع ثقافي تمتزج فيه ملوحة البحر بحلاوة المعرفة، وجعل منه منتدى للمتنزهين وقاصدي الثقافة، حيث يدخل بعضهم الخيمة حبا في الاستطلاع لا أكثر. وآخرون للتسكع والاستعراض بتقليعاتهم الحديثة، يجولون ويصولون دون أن يفتحوا كتابا واحدا حتى لو للاطلاع السريع، ولكن حضورهم على الأقل خلق لهم ألفة مع المكان ومع الكتاب، وحوّل الخيمة إلى ضجيج مثمر، وخلية نحل لا تهدأ رفعت إحصائية زوار المعرض رقميا.

11 - ناشرون ومتاجرون

الكثير من الناشرين يمتاز بسعة أفقه وثقافته الواسعة ومعرفته بالأسماء والعناوين والمنجز الثقافي على مستوى الوطن العربي، ولكن عند سؤاله عن كتاب ما، لا يتوفر في داره، يفتح لك محاضرة فيما يخص البديل الأنسب والأفضل من اختيارك، ويقنعك باختياره وذلك لتسويق منتجه القابع على الرف. بينما نجد البعض من الناشرين يتعاملون مع الكتاب كسلعة تجارية، حيث لا يمتلك أي قيمة معرفية أو منتج إنساني يستحق الاحتفاء إلا المتاجرة والدعاية الفارغة.