من إينشتاين.. لقول أحد السلف!
الاثنين، ٢١ ديسمبر ٢٠١٥
تقول الحكاية إن العالم إينشتاين سئم تقديم المحاضرات بعد أن تكاثرت عليه الدعوات من الجامعات والجمعيات العلمية، وذات يوم وبينما كان في طريقه إلى المحاضرة قال له سائق سيارته: أعلم يا سيدي أنك مللت تقديم المحاضرات وتلقي الأسئلة فما قولك في أن أنوب عنك في محاضرة اليوم، خاصة أن شعري منكوش و(كدش) مثل شعرك، وبيني وبينك شبه ليس بالقليل، ولأنني استمعت إلى العشرات من محاضراتك فإن لدي فكرة لا بأس بها عن النظرية النسبية، فأعجب إينشتاين بالفكرة وتبادلا الملابس فوصلا إلى قاعة المحاضرة، حيث وقف السائق على المنصة وجلس العالم العبقري الذي كان يرتدي زي السائق في الصفوف الخلفية وسارت المحاضرة على ما يرام إلى أن وقف بروفيسور متنطع وطرح سؤالا من الوزن الثقيل وهو يحس بأنه سيحرج به إينشتاين، هنا ابتسم السائق وقال للبروفيسور: سؤالك هذا ساذج إلى درجة أنني سأكلف سائقي الذي يجلس في الصفوف الخلفية بالرد عليه، وبالطبع فقد قدم السائق ردا جعل البروفيسور يتضاءل خجلا!
هذه الحكاية قد تكون من (تكاذيب الأغراب)، وقد تكون من تأليف (حكّاء) ظريف استعان باسم إينشتاين كي تبقى القصة تروى وتنتقل من جيل لجيل، فلا أدري لماذا افترضت القصة أن لدى إينشتاين سائقا خاصا على (كفالته)، يدخل معه المحاضرات حتى حفظها وفهمها عن ظهر قلب (في العلم يقولون إن القلب له بُطين، فلا تتخيلوا القلب وهو معطيك ظهره!)، ومن المسلّمات التي جعلت هذه القصة مقبولة أن السائق بالضرورة يكون شعره ( منكوشا)، ولهذا كان شعر سائق إينشتاين مثل شَعر (معزبه)!
هذه القصة قد لا يكون لها تأثير -سواء كانت صحيحة أو مكذوبة- وإن كانت ترمز إلى أن (التعالم) أمر سهل بإمكان أي شخص أن يدّعيه، سيما إن كان سريع البديهة كما فعل السائق عندما واجه سؤال المتعالم الآخر، وأحاله بذكاء إلى العالم الحقيقي، لكن الأهم بالقصة هو ميل الناس إلى تصديق الحكايات التي تُنسب لعلماء، خاصة عندما تأتي هذه القصص على لسان الوعّاظ الأكاديميين، وأقول الأكاديميين بالذات، لأنني قد أجد العذر لواعظ شاب متحمس سمع بهذه القصة من (كاسيت) أو قرأها في كتيّب وعظي لا يرى صاحبه ضرورة للإشارة إلى مصادره ومراجعه، لكن عندما تصدر من أكاديمي يعرف المنهجية وطريقة البحث جيدا فإن الأمر مريب، خاصة عندما يروي قصّة لعالم أو شيخ يعلم الباحث المبتدئ أنها لا تستقيم تاريخيا.
ويزيد الطين بلة، بل وحلا، عندما يستخدم جملا مثل (قال أحد السلف)، أو (قال أحد التابعين)، ويضع هذه الرواية في كتاب، وقس على ذلك (قال أحد الحكماء)، واذهب في القياس حتى تصل للجملة التي يعزز فيها رأيه (واتفق السلف..)، فلا تدري من هم الذين اتفقوا، إنما على طريقة لعبة شعبية تسمى (عظيم ضاح)، واللعبة بسيطة، مجرد عظم شاة (ذبيحة)، ولاعبين يغمضون، ويرمي أحدهم العظم، ويردد «عظيم ضاح» ليبدأ اللاعبون بفتح أعينهم والتكهن بالجهة التي رُمي فيها العظم، ويستمرون في البحث عنه.. ولا يهم ماذا يفعلون إذا وجدوه!
fheed.a@makkahnp.com