(الرقيب تاج راسك)!

الكتابة الصحفية محفوفة بالنوايا السيئة، فالرقيب متوجس من الكاتب، والقارئ لا يمكن أن يتقبل من الكاتب الفكرة المباشرة، بل يبحث عن الفكرة البعيدة ـ بدافع الحب ربما- ليقنع نفسه أن كاتبه المفضل لا يمكن أن يلتقط الفكرة الجاهزة أو الملقاة على قارعة الأبجدية، ولهذا يجد الكاتب نفسه أن مقاله حمل ما لا يحتمل، والمشكلة هنا أن القارئ ـ بدافع الحب كما أسلفنا ـ يصف مقالا بأنه جريء، وهذا بالتأكيد لن يغضب الكاتب، لكنه سيثير حنق الرقيب ـ الذي يصدق من قرأه ويكذب كاتبه ـ ثم (يجلس على ركبة ونص) في المقال المقبل بمحاججة الكاتب عن كل مفردة، ولا يهم ماذا يقصد الكاتب، المهم ماذا سيفهم القارئ!
وهذا لا يعني هنا أنني أحتج أو أتذمر، فأنا - للأمانة - مرتاح ومدان للوصاية منذ نعومة أظفاري، فقرار وصولي لهذه الدنيا لم يكن لي رأي فيه، ودخولي للمدرسة أيضا، وكل الخطوات التي تلت ذلك، وأصدقكم القول إن الأمر مريح جدا، ففي الكتابة مثلا لو أعطيت الحرية الكاملة، وخلع الرقيب نظارته السميكة وقرر الجلوس في بيته، فإن أول ما سأفتقده هي متعة مشاكسة الرقيب.
عندما لا أجد فكرة لكتابة مقال ففي العادة أنني أكتب كلاما مواربا أتعمد أن أجعله مليئا بالاحتمالات والإسقاطات التي لا تقصد أحدا بعينه، وفي نفس الوقت تكون لائقة للكثيرين، أن أسخر من شخصية (وهمية) تخيلتها، ثم أجعل الرقيب يخمن، وعندما لا يجد أحدا يضطر لأن يذكر اسم أي شخصية (اعتبارية)، وينتشي لعبقريته التي كشفت محاولتك لتمرير الفكرة عليه، فتقسم أنك لا تعني هذا الشخص، لكنه يباغتك بهجمة مرتدة، فليس مهم من تقصد أنت، المهم أن القارئ سيعتقد أن الشخصية إياها هي المقصودة، ثم يبدأ بالنصائح التي تعودت على سماعها منه، لدرجة أنك أصبحت تستطيع أن تذكره بالنصيحة التالية حالما تشعر بأنه نسيها، ويذكرك بألا تتطرق للشخص، ويكون النقد للفكرة، فصاحب الأفكار الحمقاء ليس بالضرورة أن يكون أحمق، والمشاريع المتعثرة ليس بالضرورة أن يكون الفساد هو سببها، فأحسن الظن، فربما السبب العين من المواطن الذي لا يذكر الله عندما يرى سرعة الإنجاز، أو الحسد من الذين لا يتمنون لنا ولوطننا خيرا، أو السحر (الذي يفرق بين المشروع والمقاول)، المهم ـ والكلام للرقيب- أن تتأكد من معلومتك قبل الكتابة كي لا تتورط في قضايا قانونية، طيب (سيدي الرقيب) وهذا الشيء الذي ذكرته قبل قليل (لم أقل القانون) لماذا يجعل المشاريع (المتعثرة) تبقى هكذا (مبنية للمجهول)، ولم يستطع أحد الوصول حتى لنائب فاعل؟ لماذا تستعصي اللغة على (الجر بالإضافة) إن توارت حروف الجر؟ قاطعني الرقيب: يا بني هذه الأسئلة ليست من اختصاصي لكن سأحيلها للمدقق اللغوي.
وجاء رد المدقق اللغوي (قلل من الجمل «العرضية»، واهتم بعلامات «الترقيم»، وتخلص من الكلمات العامية وشكرا).. أخيرا: الكلام الذي تقوله للرقيب هذا، خير من الكلام الذي يريد أن يسمعه من (الرقيب/‏ الرقيب ما غيره).