مولد المصطفى.. عبر وعظات

بعد غد يشرق اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، هذه الذكرى العطرة لمولد النور وفجر الهدى، الذي أشرقت الدنيا له من هنا من مكة المكرمة، مولد الهادي البشير، ومهبط الوحي الأمين.
وُلِد سيد المرسلين، عليه وعلى أنبياء الله الصلاة والسلام، بشعب بني هاشم بمكة المكرمة في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ويوافق ذلك شهر أبريل سنة 571م.
وأرى من الواجب علينا كمسلمين ونحن نستذكر يوم مولده الشريف أن نتأمل رعاية الله، جلَّ في عُلاه، لعبده ورسوله محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، فقد مات أبوه وهو جنين في بطن أمه، فكفله جده عبدالمطلب، ثم ماتت والدته السيدة آمنة بنت وهب، وهو في السادسة من عمره، ومات جده عندما بلغ الثامنة من عمره، فكفله عمه أبوطالب، وظل في رعايته إلى ما قبل هجرته، عليه الصلاة والسلام، إلى المدينة بنحو ثلاث سنوات، حيث توفي عمه أيضا.
تعدد كافلوه من الناس، ورحلوا، ولكن رعاية ربه لم تنقطع عنه يوما حتى لقي ربّه عن ثلاث وستين سنة، في ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول. وكأنما العبرة هنا تفيد أن من كان في رعاية الله، هو خير وأبقى، فعين الله ساهرة لا تنام.
وكأن العبرة الثانية، أن اليتم ليس بعائق عن بلوغ أعظم المواقع وأرفع المراتب والدرجات.
وكأن حكمة الله الجلية في هذا تأكيد متجدد أنه وحده القادر على تصريف الأمور كيف يشاء، حتى وإن تصور البشر أن هذا اليتيم لن يكون قادرا أن يقاوم كل هذه الأقدار المتلاحقة والمجتمعة، والتي حرمته الأب قبل أن يولد، ثم حرمته الأم والجد والعم، فهيأ الله له من المرضعات عشرا، منهن ثويبة، جارية عمه أبي لهب، وأشهرهن وآخرهن حليمة السعدية،
وكانت عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم، ابتعادا عن أمراض الحواضر، لتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم، وجاءت حليمة بنت أبي ذؤيب وزوجها الحارث وابنها إلى مكة تلتمس الرضعاء، في سنة شديدة الجفاف، وجاءت معها المرضعات كل تلتمس رضيعا تعود به، وكن يرفضن أخذ اليتيم لأنهن كن يرجون المعروف من والد الصبي، فكن يتهامسن: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجدّه؟! فما بقيت امرأة قدمت مع حليمة إلا أخذت رضيعا ما عدا حليمة، ثم قالت لزوجها: والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال لها: عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، وكلنا يعرف تلك البركة التي حلّـت بحليمة وزوجها وأولادها، منذ أن وضعته في حجرها، ثم عادت به بعد فطام، لتطلب من أمه السيدة آمنة أن ترجعه معها حتى يغلظ.. وعاد معها بكل بركته حتى بلغ سنته الرابعة أو الخامسة.
وكان عليه السلام ينمو سريعا لا يشبه أترابه الغلمان، ولقد حفظه الله من دنس الجاهلية، وحماه من عبادة الأوثان، ومنحه الخلق العظيم، حتى عُرف في الجاهلية باسم الصادق الأمين.
وهكذا هي إرادة الله ورعايته لمن يشاء من عباده، فقد كان بمقدور الخالق العظيم، أن يجعل عبده محمدا ينشأ في أجمل القصور، وأن يتربى في أغنى الدور، ولكن حكمته التي صنعته على عين خالقه، ليبقى دائما مثالا وحافزا لكل محروم أو مقهور، ليزداد الناس تعلقا برحمة ربهم الواحد الأحد، العلي القدير.
وحين شبَّ صلوات ربي عليه، رعى الغنم وقال: ما من نبي إلاّ وقد رعى الغنم، قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة.
وسبحان من جعل سيرة النبي الأمين حافلة بكل العبر وجعلها النموذج والأثر، في دعوة صريحة إلى العمل وطلب الرزق بتوكل على الخالق وليس بتواكل على مخلوق، وهكذا حين جاءه رجل في المسجد يستجدي ويسأل الناس، قال له: اشتر فأسا واحتطب، بعد أن أجرى مزادا على ما كان يملكه الرجل من حطام في بيته، واشتراه أحد الصحابة بدينارين، فأعطاه واحدا لأهله يشتري به طعاما لهم، وبالآخر فأسا.
ولاحظوا حكمة الرسول، صلى الله عليه وملائكته، لم يأمر الرجل أن يذهب في رحلة الاحتطاب دون أن يؤمن زادا لعياله، فهم أُولى مسؤوليات الرجل.
وكتب الله لنبيه الكريم وعمره اثنتا عشرة سنة، السفر مع عمه أبي طالب في تجارة للشام، وكأن الله تعالى يريد له بهذه الرحلة أن تعلم الدنيا أن المختار قادم، خاتما للرسل والأنبياء، وأن محمدا آت. فقد التقى في هذه الرحلة بالراهب بحيرى، بمدينة بُصرى الشام، فعرفه الراهب بصفته التي عرفها في كتب أهل الكتاب، وقال: هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجدا، ولا يسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة. وحذّر عمه أبا طالب من الذهاب به إلى أرض الروم، حيث يتربص به اليهود لقتله، فردّه عمه إلى مكة.
وانظروا أعزائي القراء إلى شديد عناية الله ولطفه البالغ باليتيم الذي هو كافله، فيتواجد هذا الراهب في طريقه ليحذر عمه من مؤامرة اليهود، وليؤكد أنه رسول الله الخاتم القادم.
ولقد تحول إحساس المصطفى، عليه الصلاة والسلام، بأهمية رعاية اليتيم، وهو اليتيم الذي كفله ربه، حتى قال: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة - مقرّبا ومباعدا بين السبابة والوسطى.
واستكمالا لرعاية ربه له - وتهيئة لمرحلة قادمة يحتاج فيها، عليه الصلاة والسلام، إلى الشريك والرفيق بدلا من الكافل من الأهل، عادت به إرادة الله مرة أخرى إلى الشام، في تجارة للسيدة خديجة بنت خويلد، وكانت، رضي الله عنها، امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم مقابل عملهم وتعبهم.
ولما رجع محمد بن عبدالله إلى مكة المكرمة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تره من قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه، عليه الصلاة والسلام، من خلال وشمائل وفكر راجح ومنطق صادق ونهج أمين، وجدت، رضي الله عنها ضالتها المنشودة، فتحدثت إلى صديقتها نفيسة بنت منية، وهذه ذهبت إليه، عليه السلام، تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلم أعمامه فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وكان ذلك الزواج الأول في حياته وهو ابن الخامسة والعشرين وهي ذات الأربعين عاما، ولم يتزوج عليها حتى انتقلت إلى جوار ربها، بعدما أسسا أعظم، بل أعزّ بيت للزوجية عرفته الإنسانية، وليكون هذا البيت بيتا للدين وحْيا وللدنيا حياة كريمة عظيمة، تجسد فيه الدور الحقيقي الذي تلعبه المرأة الزوجة المؤمنة المخلصة في حياة زوجها، وأي زوج، عليه الصلاة والسلام، من سكينة وأمان، ونُصرة وتصديق وطمأنينة.
والحقيقة، أن احتفاءنا بهذه المناسبة العظيمة إنما هو استرجاع لكل هذه المواقف.. واستدراك لكل العبر والعظات..
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما}.