قصة كتابين
السبت، ١٩ ديسمبر ٢٠١٥
يوصف الذين وهبهم الله سبحانه سعة الأفق وغزارة المعرفة بأنهم ولدوا وبيدهم كتاب مفتوح كناية عن تمسكهم الفطري بالقراءة، وإن كنت أعتقد أن أخي الدكتور سعيد السريحي قد تجاوز هؤلاء، فهو لم يأت إلى الدنيا وبيده كتاب مفتوح فقط بل جاء مرتديا نظارته كذلك لأني خلال صحبته التي قاربت الخمسين عاما أيقنت أنه كان قارئا نهما حتى قبل أن يأتي إلى هذه الدنيا.
وسعيد زميلي في الدراسة وأخي في دروب الحياة ومعلمي بعد المدرسة وبعد الجامعة كذلك، حققت معه أول إنجاز ثقافي تطوعي في حياتي، حيث اشتركنا في إدارة صحيفتنا الحائطية المدرسية (أضواء ساطعة) في المرحلة الثانوية، وكان يبلغ منا الزهو مبلغه عندما يتزاحم أمامها الطلاب حال صدورها صباح كل سبت، كنا نتسابق على المعرفة ونتباهى بالكتاب ونسعى في حماس نتلمس بعقولنا الصغيرة أحلاما كبيرة.
ومما أذكر معه في المدرسة أن أحضر يوما زميلنا محمود كيكي للفصل مجلد دواوين العقاد الأربعة، فاستعاره سعيد ولم يدرك محمود يومها أنه بهذا قد كتب بيده مفارقته الأبدية للكتاب والذي ما زال يطالب به حتى اليوم، وما زال يرجو من سعيد أن يعيده له رغم مرور ما يزيد عن أربعة عقود، وهذا ما كان من أمر مجلد قصائد العقاد الذي انطبعت صفاته العبقرية في مخيلتنا المتلهفة للمعرفة بسبب إسهاب أستاذنا إبراهيم سعد المعجب بكل ما سطر العقاد يرحمه الله.
وفي ذكرى عزيزة أخرى مع الكتاب أيضا، أن جاء زميلنا عمر إلى المدرسة وبيده نسخة من (يسقط الحائط الرابع) الكتاب الذائع الصيت يومها لأنيس منصور، وأنيس صحفي بارع إلى جانب كونه كاتبا مرموقا يغريك بعنوان يفتح شهيتك للقراءة بلا ملل، يتجول بك بين الغرائب والعجائب، وكان عمر قد وجده في مكتبة أخيه عبدالعزيز (الدكتور عبدالعزيز الصويغ)، ورجوته أن يعيرني الكتاب فتردد خشية أن يكتشف أخوه غياب الكتاب، ولكنه وافق تحت إلحاحي، وقد حاول كثيرا بعدها معي أن أعيده ولكن كنت أكثر ترددا في إعادته، وانتهى العام الدراسي والكتاب يقبع في مكتبتي المتواضعة حتى نسيه عمر، وبعد ثلاثين عاما من الإعارة تعرفت على الدكتور عبدالعزيز وكان يومها عضوا في مجلس الشورى، فصارحته بأمر الكتاب الذي ما زال يحمل اسمه موقظا في داخلي شعورا بالحرج، وكان يتغلب على الحرج هذا تعلقي بالكتاب ومؤلفه ذي العبارة الجذابة التي تسيل لعاب القارئ وفكره..أنيس الذي أذكر له عبارة أعجبتني كثيرا (وما أكثر عباراته الجذابة يرحمه الله)، يقول: هناك كتب مثل الخرائط تهديك إلى غيرها وكتب تحتاج إلى خرائط لأنك تضيع فيها، وكتب مثل الأوراق المالية مضمونة الفائدة، وكتب وكتب.
في لقائي مع صاحب الكتاب طلبت منه أن يهديني الكتاب وكان الدكتور عبدالعزيز كريما حيث ما زلت أقرأ عبارة الإهداء الرقيقة بخطه الأنيق التي كتبها لي يقول: (ليسقط حائط خامس كان يجسم في وجدانك جراء احتفاظك بكتاب لي).
قلت لسعيد ها أنا قد برأت ذمتي في كتاب أنيس وعليك تبرئة ذمتك في ديوان العقاد.
نعم كنا نتسابق على المعرفة ونتباهى بالكتاب ونسعى في حماس نتلمس بعقولنا الصغيرة أحلاما كبيرة!