عبده خال صرع الغول بـ «صدفة ليل»

تجاوز الروائي عبده خال المرحلة الحرجة التي ألمت بصحته قبل شهور حين أصيب بجلطة دماغية أثرت على قدراته الحركية والفكرية، وبدا أمس كاتبنا في حالة صحية ممتازة متنقلا بين ممرات معرض كتاب جدة، متفائلا وسعيدا، يلتقي بقرائه الكثر الذين يتحلقون حوله أينما ذهب داخل المعرض، فهذا يحادثه وذاك يمازحه وثالث يلتقط معه سيلفي ويطلب منه التوقيع على روايته الجديدة «صدفة ليل».
في هذه الأجواء التقته «مكة» وكان معه الحوار التالي.


01
بداية حدثنا عن الجو النفسي والصحي الذي كتبت فيه روايتك الأخيرة صدفة ليل؟
لا بد لي، في البداية، أن أحدثك عن مرحلة ما قبل إصابتي بالجلطة الدماغية، التي شكلت في بداياتها أزمة ذاتية ووجودية أحاطت بي من كل النواحي الجسدية والنفسية والعقلية. قبل الأزمة كنت قد شرعت ولعدة أشهر في كتابة عمل روائي يتمحور حول شخصية تدعى «جني»، وهذا الشخصية تصاب في لحظة بفقدان الذاكرة الكلي، ومن خلال تتبعها، كتابيا، بدأت تستعيد مفاهيمها للحياة، وأخذت الشخصية تنظر إلى الواقع بمنظور من يكتشف تفاصيل الحياة للمرة الأولى.. هكذا بدأت الشخصية تتبلور في داخلي وعلى الورق، إلى أن هاجمني هذا الغول المتمثل في تعطل قدراتي الطبيعية في الحركة والكلام والكتابة.
وأضاف وبطبيعة الحال توقفت عن الكتابة، وبعد فترة ليست طويلة عدت لها، في الأيام الأولى للإصابة وقفت على حقيقة صادمة، وهي أنني فقدت الكلمات، فقدت اللغة، فقدت القدرة على النطق، وضاعت اللغة والكلمات والمعاني، أمر فظيع أن تصحو فجأة وتجد نفسك بلا لغة، تنظر إلى الأشياء من حولك وتجدها بلا مسميات، أنت تعرفها في قرارة ذهنك، لكنك لا تستطيع توصيفها أو كتابة الكلمات التي تحددها، لقد تمثلت هذه الحالة فيّ شخصية جني الفاقد للذاكرة.


02
كيف تعاملت مع هذه الحالة؟
بدأت بإمساك القلم، لا بد أن أواجه ذلك الضعف بالكتابة، صراع القوة والضعف أخذ يتأجج بداخلي، تخيّل نفسك تريد أن تكتب اسمك ولا تعرف، كان صراعا مريرا، ولكني جاهدت نفسي وأخذت أكتب عشرات الكلمات بشكل عشوائي. الكتابة هي كياني، ومركز قوتي التي أتحرك بها في حيز وجودي، بلا كتابة أنا غير موجود، ضائع، لا معنى لوجودي.


03
حسنا، بكل تأكيد أثر ذلك على حالتك النفسية وانعكس ذلك على كتابة الرواية، هل يفسر ذلك السوداوية التي اعترت عوالمها؟
هذا مؤكد، أن يتظافر الصراع النفسي الذي طرأ عليك، مع واقع ترى فيه من يقتل ابن عمه، وآخر يفجّر نفسه، وثالث يريد تدمير كل ما حوله، ومنظمات إرهابية لا هم لها إلا إحداث الدمار والفناء، نحن نعيش في عالم مليء بالسوداوية.


04
ما هي صدفة الليل التي حدثت وجعلتك تسمي روايتك بهذا الاسم؟
الصدفة أني أفقت فجأة على كل ذلك، رغم أنه لا توجد صدفة، كل شيء في الكون والحياة ضمن معادلة مضبوطة، جزئياتها تقود إلى نتائج محددة ومحسومة، والنتائج بدورها تستكمل دورتها لتنتج أحداثا وتراتبات تقود إلى إكمال المعادلة، لا وجود للصدفة بالمعنى القريب للكلمة، وهي فقرة مشتبكة في منظومة الحياة، الصدفة في معناها البديهي قد تكون غشيمة، غير مرتبة، ولكن في معناها العميق جزء من المعادلة الحتمية.


05
هل هذا المعنى واضح في ثنايا الرواية؟
قد يكون ذلك، ولكن أود أن أقول بأن مسمى الرواية لم يكن كذلك في بداية الأمر، كنت أود تسميتها: (أنفس شُح)، ولكن أصدقائي الناشرون في دار الساقي أخبروني بأنه عنوان ثقيل وغير جاذب، وعلى الفور طرأ في بالي صدفة ليل.


06
وما هي قصة أنفس شح هذه؟
الرواية تتحدث عن النفوس الشحيحة في العطاء، هكذا تراءى لي سبب العبث الحادث في حياتنا، إنه شح عاطفي وفكري وإنساني، يسعى إلى القتل والإبادة والهدم، لذلك تأسس هذا الخراب الذي نعيشه، الأنفس الشح وردت في الآية الكريمة (وأُحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا)، كم هي عظيمة هذه الآية، تأملها.
أنظر أيضا في الآية الكريمة في سورة الحشر (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المحسنون).


07
هذا يقودني إلى سؤالك عن فلسفتك التي تطرحها في هذا الرواية، ما هي؟
فلسفة الرواية تقوم على عالمين: الدعة، في مقابل الصلادة.


08
وضح لي ذلك؟
الدعة والأريحية يمثلها جيل الآباء، بكل ما في مكونهم الوجودي من عطاء وبذل، والصلادة يمثلها جيل الأبناء، بكل ما يحملون من مشاعر الكره والتطرف والشح العاطفي، شح الحب، لست متحاملا على الجيل الراهن، ولكنه واقع ماثل.. بين دفتي هذين العالمين نجد بطل الرواية وشخوصها يتحركون، ويصارعون مصائرهم، أحاول أن أغوص في فلسفة هذين المعنيين: الدعة والصلادة.


09
ألا ترى أن مدخلك الذي بدأت به الرواية تشوبه إحالة إثارية، أو استدراج تهييجي للقارئ حتى ينغمس في القراءة؟
لا على الإطلاق، لا أجذب القارئ بمثيرات حسية أبدا، إنني أحاول منذ عتبات الرواية أن أوجه مخيلته وتفكيره بطريقة رمزية غير معقدة إلى رمزيتها، إنها رمزية واقعية وليست سريالية أو غرائبية أو حتى جنسية، إنه تلميح يداعب ذهن القارئ ويدخله إلى عالمها.


10
كيف ذلك؟
الرسالة التي كتبتها بطلة الرواية لحبيبها «سليم»، تحمل من المعاني والرمزية ما يجعلها تتخذ عمقا تأويليا بعيدا عن السطحية التي قد يتوهمها القارئ العابر، ولكنها لا تفوت على القارئ المتأمل، لاحظ لدينا عنصرين: في هذه البداية، الأول يحيل التخييل البصري نحو الجسد الأنثوي، بما يمثله من معاني الحياة والتناسل والاستمرارية والحب، إن البطلة تؤكد بأنها وهبت الجميع لذة الحياة، وهبتهم الحب، الحب بمعناه السامي، وكأنها آلهة للحب، إذا أردت أن تقول. تأمل ما كتبت، أو بالأصح ما قالته البطلة في هذه البداية. أيضا اللون الأحمر يحيلك إلى الدم، القتل، الإثارة، إنه تثوير يصعد إلى بؤرة منطقة التفكير والتخييل في الدماغ، وليس إلى إحساس الإثارة الجنسية، إنه بعيد كل البعد عن ذلك، وهو يمهد إلى عالم الرواية بأكملها، الذي أطلقت عليه أنه عالم سوداوي، إنه عالم مليء بالشح تناسل في صدفة ليل منظومة ومنتظمة.