تجارة الرقيق تنشط بالحج (3-4)
الخميس، ١٧ ديسمبر ٢٠١٥سارت تجارة الرقيق في مكة بشكل عادي طوال عدة قرون، وكان لا يخلو بيت من بيوت المكيين، من جارية أو مملوك، ويزيد عددهم تبعا لزيادة عدد أفراد الأسرة، ووضعها الاقتصادي، ويفضل المكيون شراء الرقيق صغير السن إذا كان يعد للخدمة في البيوت.
ويقال لليافع منهم صبي، استنكافا أن يقال عبد أو مملوك، وعندما يبلغ الحلم يخرج من البيت، ويرافق سادته في أعمالهم حيث يكونون، بعد أن يكون قد اعتق في الغالب، وامتهن تجارتهم أو مهنتهم إن استطاع أن يشق طريقه، والذاكرة المكية مليئة برجال من الموالي أداروا تجارة وأعمال سادتهم بعد وفاتهم، وحفظوا لهم حقوقهم بكل جد وإخلاص، حتى شب أولادهم، بل منهم من ورث علم سيده، وكان الكثير من الأهالي يحتفظون بعلاقات مودة لعدة أجيال مع معاتيقهم.
ومبالغة في إكرام هؤلاء الرقيق، وتوفير الحياة الكريمة لهم، كان الكثير من الأهالي يوقفون بعض أوقافهم على معاتيقهم، ومن ذلك أن امرأة من آل ابن يعقوب، الأسرة المكية الشهيرة، جعلت وقفها بعد وفاتها لمعاتيقها مدة حياتهم، كما أوقف الشريف غالب أرضا كبيرة في المسفلة على معاتيقه من أهل النوبة.
وكانت الجارية ويقال لها في البيت (دادة، أو دادي) وهي كلمة تركية تعني الحاضنة، تعادل مكانتها في الأسر المكية مكانة الأم أو الجدة، خاصة بعد أن تتقدم في السن، بل وتصبح مرجعا للأسرة في كثير من الأحيان، خاصة إذا أمضت فترة طويلة في ظلالها، وتعامل معاملة راقية جدا، فيها الكثير من البر والإحسان، وحفظ الحقوق، وتزيد هذه المكانة إذا أرضعت فردا أو أكثر من أبناء الأسرة، حيث ينظر لها في هذه الحالة نظرة تقترب في الحقوق والواجبات من النظرة التي تحظى بها الأم الحقيقية.
وقد أشار المستشرق كورتلمون في كتابه رحلتي إلى مكة إلى حسن معاملة المكيين لمماليكهم حيث يقول "مصير العبيد في مكة ليس مأساويا، إذ يعاملهم أسيادهم معاملة الأبناء، ويمنع منعا باتا ضرب العبد، أو أن يمارس عليه أي سلوك قبيح".
كما يصف سنوك في كتابه صفحات من تاريخ مكة المكرمة نموذجا للعلاقة القائمة بين العبيد وسادتهم حيث يقول "كان يزورني أحد أهالي مكة من العائلات الكبيرة، ويصطحب معه أحد عبيده وقد كنت مندهشا من أدبه الجم مع خادمه، وكيف أنه يسأل خادمه باستمرار إذا كان يحتاج إلى أي شيء، وكان يطلب إلى خادمي الذي يجلس على الباب الجلوس معنا".
وكان الكثير من المعاتيق يفضلون البقاء في بيوت سادتهم بعد عتقهم، لإلفهم العيش فيها، وعدم رغبتهم في الخروج عن نطاقها، أما إذا اكتسب العبد المحرر مهنة أو حرفة، فله الحق في الخروج عن نطاق الأسرة التي تبنته، وتكوين أسرة، وهذا في الغالب هو نهاية جميع الأرقاء من الرجال في البيوت المكية.
أما إذا لم توفق الجارية أو الصبي في الاستمرار مع سيده، طلب أن يباع إلى آخر، أو يعمل أجيرا خارج منزل سيده.
وكأي تجارة، كان لتجارة الرقيق شيوخ، ومقدرون للأثمان، ووسطاء يحضرون الرقيق إلى مكة يعرفون (بالجلابة)، ثم يسلمونهم إلى دلالي الرقيق المعروفين داخل البلد، وهم يقومون بإيصالهم إلى من يرغب، ولكل فئة من الرقيق شيخ منهم يتولى تأديبهم، وكان لهم خان معروف في المسعى يسمى خان الرقيق، ومن الواضح أنه كان خانا يعد لنزولهم وإقامتهم، حتى يتم بيعهم.
أما مكان عرضهم وبيعهم فهو المكان المعروف بدكة الرقيق الواقعة في منطقة متوسطة بين سويقة والمسجد الحرام بالقرب من باب الدريبة، أحد أبواب المسجد الحرام، كما يشار إلى أن هذه التجارة كانت تنشط في الحج، بل توجد في منى في شارع سوق العرب دكة رقيق أخرى، يعرض فيها الرقيق أيام الحج، وتشير بعض التقارير الأجنبية إلى أن هذه التجارة كانت تنشط في أيام الحج، حيث كان الكثير من الحجاج يرغبون في عتق الرقيق طلبا للأجر، كما أن الكثير من أهالي الجزيرة العربية وخارجها يرغبون في شراء الرقيق الذي ربي في البيوت المكية، لما عرف عنهم من أناقة في الترتيب والتنسيق، والنظافة، وحسن التعامل.
------------
تجارة الرقيق
- لتجارة الرقيق شيوخ، ومقدرون للأثمان، يعرفون بالجلابة
- لكل فئة من الرقيق شيخ منهم يتولى تأديبهم
- لهم خان معروف في المسعى يسمى خان الرقيق
- مكان بيعهم فهو بدكة الرقيق الواقعة في منطقة متوسطة بين سويقة والمسجد الحرام
- كانت هذه التجارة تنشط في الحج