في حضرة المرشحة
الاثنين، ١٤ ديسمبر ٢٠١٥
جاء ديسمبر كشهر واعد أشرعت فيه أبواب المستقبل واسعة للمرأة السعودية بمشاركتها في الانتخابات البلدية، وقد كان إنجازها السابق الذي أشرنا إليه قبل أربعة أشهر جديرا ببدايته الفعلية هذه كخطوة أولى في مشوار الألف ميل. وتضج هذه الأيام الأوساط السياسية والاجتماعية، بمستوى الإقبال الواسع على العملية الانتخابية، والتي هي تكملة لمسيرة يوم 22 أغسطس التاريخي بتسجيل المصوتين والمصوتات في انتخابات المجلس البلدي.
هناك احتفاء خاص قد يدحض ما ظل يلقيه التراث الشعبي في الأذهان بتصنيف المرأة ككائن ضعيف. ورغم أن الرجال يرون قوة المرأة في صورة النساء الساكنات فيهم، يراوغون حقيقتها بوعي المكتشف فيشبهونها بالوردة المتحولة عن امرأة قتلها الحب كما في الميثولوجيات القديمة، ويصلون إلى درجة الاعتقاد أنها كحالة تتوج بالحب وتعلن عن سحرها في العطاء فهي تستحق أكثر من لقب المرأة الوردة، إلا أنهم عندما يقفون عند بواباتهم الواقعية ينزعون اللقب ويملؤون حناجرهم بأن «كيدهن عظيم».
هذا الصراع بين الطبيعة والتراث الشعبي كون قاعدة أساسية استطاعت أن تقرب التصور الكامل عن المرأة وعن حقيقة همومها، انشغالها، تأثرها وتأثيرها على من حولها وهو ما ساعد في بناء نموذج كل أدواته معطاة مسبقا حينما نزل الخيال إلى الميدان وشمرت الأسطورة عن ساعد الجد لتصنع حياة مليئة بالإثارة بطلتها المطلقة «الأنثى». وما ساعد على وجود صيغة تهدف إلى إضفاء الفضول وازدياد الحيرة هو هذا الكائن الذي أقحم في الواقع إقحاما لأنه شكل بنموذج قياسي يختص بالعالم غير المنظور وغلف بغطاء إنساني حتى يواكب عالم الظواهر.
وهذه الثقافة الشفاهية العنصرية مزدوجة المعايير هي التي صنعت المرأة، ونعتتها بصفة الأنوثة ولم نسمع بالذكر إلا في صفات الزعيم الشجاع أو في باب التضخيم لصفاته الجسدية أو تفوقه أيا كان. أما التمسك بنموذج المرأة الضعيفة المغلوبة على أمرها، والإغداق عليها بصفات الرقة والشفافية نظير هذا التنازل، هو لعبة مكشوفة لأن القوة المكنونة في عقل الرجل لا ينبغي أن تكون أساس مقارنة بينه وبين المرأة نتيجة لفوارق طبيعية اختص الله كلا منهما بما يؤهله للعيش ككيان مستقل، يؤدي واجباته وفقا لهذه المؤهلات الطبيعية.
المرأة في الحكايات الشعبية، تلد الخوف منها وعليها. وكما تربط كثير من الأساطير الأميرات الجميلات بالغباء، تجسد دور الشر في نظيراتهن فيجمعن ما بين القبح والتمرد والتوحش والدهاء. ولا ندري من صاغ كل هذه الحكايات منذ زمن لتصبح نموذجا لا يعرف القيود ولا يمتثل للقيم والضوابط ولا يتشبث بالنسق الثقافي للمجموعة.
اختفت صورة المرأة على هذا التصور الغريب، عندما اختفى مبرر الاعتقاد بوجودها على أضداد، ولكن عوضا عن ذلك وتماشيا مع العصر خلقت الدراما والأفلام صورا طبق الأصل ولكن بشكل أحدث. فتحولت أغلب النساء إلى غيورات وسطحيات، تلهيهن الموضة والتقليد الأعمى والجري وراء المظاهر الفارغة.
في هذه الأيام انتهى عهد الصورة النمطية لنسوة أعينهن شاخصة إلى اللا شيء، لا يهمهن إن أفلت نجوم أو ظهرت على الأفق أخرى، لا يجرؤن على الحلم بأن يهززن عرش الشمس بيمناهن أو ينتزعنه باليسرى، انتهى عهد الوحدة التي يحرسها شبح الحرمان، بينما يحرسن ضفائر معقوفة إلى الخلف، كل من يمر عليهن يتسمر قليلا عند بقاع ملونة على الوجوه، أو أكوام من بقايا الدموع المجففة، ملح يقلبنه بينما تسيل من أعينهن هزائم ألم الوقت وسعيره.
بعد هذا لا يخشى أن تبقى المرأة هي نفس الكائن اللطيف التي تحبها لنور يشع من عينيها، وفي نفس الوقت تحترم عقلها المتقد على ألف واقع جميل لها وللأجيال الأخرى.
mona.a@makkahnp.com