الفرمسوني.. المثقف الذي يخافه المجتمع المكي (الأخيرة)
الجمعة، ٩ يناير ٢٠١٥
ضمن الشخصيات التي جسدها حمزة بوقري في رواية سقيفة الصفا، شخصية الأستاذ عمر، والذي يقول عنه: «العم عمر شخصية فريدة، فلعله كان الوحيد في الحي كله الذي قرأ كتابا غير كتب الكتاتيب والمدرسة الأهلية، والوحيد الذي كان يشغل وظيفة في جهاز حكومي، ولعله أيضا الوحيد الذي كانت له أوليات معروفة في الحي كله، فهو أول من اقتنى جهاز راديو، وهو أول من لبس نظارة طبية، وأول من اشترى سيارة، وأول من استخدم خادما من غير خدم الحجاز»، وكما هو واضح من خلال الوصف فإن الشيخ عمر كان ذا شخصية مثقفة، تخالف بثقافتها المألوف لدى المجتمع مما جعل الناس تحذر منه، لذا نجد المؤلف ينقل لنا خوف والدة محيسن منه، والخوف هنا ليس خوفا شخصيا كما يبدو، ولكن من أفكاره التي قد ينقلها لابنها، لذلك تقول «إن الشيخ عمر فرمسوني، يعرف ذلك عنه كل أهل الحي، وهو يسافر إلى بلدان النصارى، ويستطيع أن يتكلم بلغة غير المسلمين، ويقرأ كتبا كبيرة لا يعرف أحد ما هي».
ويبدو أن مصطلح الفرمسوني الدال على خروج الأستاذ عن المألوف ثقافيا، كان وليد تلك الفترة، حيث لم أجد من أشار إلى استخدامه في مكة قبل أو بعد صاحب رواية سقيفة الصفا، وكما يظهر فإن بعض ملامح هذه الشخصية انتقلت إلى مكة من خلال بعض الجمعيات التركية التي ظهرت في تلك الحقبة، كجمعية تركيا الفتاة والاتحاد والترقي وغيرهما، والتي حاولت أن يكون لها قواعد في مدن الحجاز من خلال بعض الموظفين الأتراك، إلا أن دور العلماء كان قويا وواضحا في مقاومتها.
والحقيقة أن تتابع الأحداث التي ذكرت ضمن سياق الرواية، ينفي أن يكون الشيخ عمر فرمسونيا حقيقيا، فهو رجل عادي إلا أن ثقافته كما سبق القول ثقافة جديدة أو غريبة بعض الشيء، على مجتمع متدين بالفطرة والنشأة والتربية، بل إن ثقافته الدينية هي التي تحكم السلوك والعادات والعلاقات في المجتمع، ومن طبع البسطاء في مثل هذه المجتمعات الحذر والريبة من كل جديد أو غريب.
فالروائي يقول على لسان محيسن بطل الرواية كجزء من الاستغراب «قادني إلى غرفة بها ما لم يخطر على قلب بشر، بها مئات من الكتب مجلدة تجليدا أنيقا، ومرتبة على أرفف خشبية، يعلو بعضها بعضا في تنسيق غريب، وأشار بيده إلى صف فيها وقال: هذه دواوين من الشعر القديم، وهذه أشعار المهجريين، وهذه كتب في الفلسفة، وهذه كتب في الرياضيات، وتلك روايات مترجمة»، كما يقول على لسان بطل الرواية عن الأستاذ عمر الفرمسوني «ومن يومها وإلى سنوات طويلة ظل الوحيد الذي دعوته أستاذا وعنيت ما أقصد».
كما يصور لنا مجموعة من الشخصيات النسائية، التي كان لها الأثر الأكبر في حياة محيسن بطل الرواية، ومنهن وعلى رأسهن والدته، الموجه للعائلة المكونة منها ومن ابنها، والتي تظهر من خلالها شخصية المرأة المكية في أبهى صورها فهي نبع من الحنان، وإن كانت تظهر الشدة في مواقف معينة، وهي من تتقن إدارة الموارد البسيطة التي تعيش عليها الأسرة.
ومنهم أيضا الخالة أسماء صاحبة المعروف والخدمات، تخيط بعض ملابس الأسرة، إلى جانب إيمانها بالخرافات التي كانت تنتشر بين نساء ذلك الزمن، فهي التي تخوف محيسن البلي من هول الليل، وهي التي تدعو على قتلة الكلاب في الحارة، حيث يقول المؤلف على لسانها عندما رأت البواردية يقتلونها «لو أراد الله للكلاب أن تموت لما خلقها».
makkawi@makkahnp.com