الثانية

العثيمين.. المؤرخ العاشق للشعر

ظل الحضور القوي لجائزة الملك فيصل العالمية من صنع وقيادة الدكتور عبدالله العثيمين، وبالطبع بمعية فريقه في العمل الذي أسسه ودربه وبقي يعمل معه طوال ثلث قرن من الزمان، فكان أمينها المؤتمن، وقائدها الموثوق.

والعثيمين جدير بمكانة الرجل المؤثر في العالم الإسلامي والعربي، فاحتلت الجائزة بفضل إخلاصه ورصانته ودقته، موقعا متقدما على خارطة الجوائز العالمية.

ولم يرفع العثيمين من مكانتها فحسب، بل إنه وضع معايير وشروطا منهجية صلبة لجميع فروعها، وارتقى بسقف البحوث والدراسات التي يتقدم بها الباحثون. وخلال سنوات قليلة في الثمانينات أصبحت المحطة المرشحة للشخصيات التي تنال جائزة نوبل للسلام في أبحاث الطب والعلوم، على وجه الخصوص، ما يؤكد أن قيمتها المعرفية ونموذجها الحضاري ترسخ بين الجوائز العالمية.

ولأنه منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي، هوى التاريخ ودراساته ودهاليزه البحثية، ترأس قسم التاريخ بكلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، حتى انصقل منهجه العلمي، وانعكس أسلوبه وفكره على كتبه ودراساته، فتبوأت مكانة المراجع الموثوقة التي لا غنى لأي باحث عنها في الموضوعات التي طرقها.

واستمر في مجالدة التنقيب في مسائل التاريخ حتى إنه شد الرحال إلى بريطانيا ونال فيها الدكتوراه من جامعة أدنبرة أسكتلندا.

وسن قلمه في كتابة تاريخ السعودية، وتطرق للعلاقات بين الدولة السعودية الأولى والكويت، ثم استقصى معارك الملك عبدالعزيز المشهورة لتوحيد البلاد، ووقف على ترجمة كتب عدة، منها «حديث بوركهارت عن الخيل والإبل العربية»، و»بعثة إلى نجد»، تأليف جون فيلبي، ومن التحقيقات التي قام بها «نبذة تاريخية عن نجد».

وفضلا عما ألف وحقق، فإن له إسهامات فاعلة على صعيد إعداد الكتب المدرسية التاريخية المقررة في مدارس المملكة، ومن الكتب التي ألفها: تاريخ السعودية للصف السادس الابتدائي، السيرة النبوية والخلفاء الراشدون، للصف الأول المتوسط، جوانب من التاريخ الإسلامي للصف الثالث المتوسط، تاريخ السعودية، للصف الثالث الثانوي.

ورغم الجانب العلمي والبحثي الذي يشكل عقليته وثقافته، إلا أن ابن عنيزة انحاز إلى الشعر والجمال اللغوي، فأصدر في بداية الثمانينات ديوانه الأول «عودة الغائب». ولم يقف عند الشعر الفصيح، بل إنه ربط ربطا شفيفا بين الشعر النبطي والتاريخ، وألف في ذلك كتابا مهما «الشعر النبطي كمصدر لتاريخ نجد الحديث»، وانطلق خلال التسعينات في مراودة الكلمة والتغني بجمالياتها في دواوينه الشعرية: بوح الشباب، ولا تسلني.

وكما انطلق العثيمين من التاريخ، يواصل برؤية عميقة وعصرية كتابة المقالات التاريخية والسياسية والأدبية في بعض الصحف والمجلات المحلية، ليؤكد فيها دائما على ضرورة الالتزام الصارم بالمنهجية العلمية التاريخية، فهي التي جعلته من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين.
#جائزة الفيصل العالمية#عبدالله العثيمين#جدة