الكتب الخطرة!

المعنى الذي يمكن أن نفهمه من إصدار وزارة التعليم قرارا بأن تسحب من مكتبات مدارسها مجموعة من الكتب المحددة بعناوينها وأسماء مؤلفيها الذين يجتمعون في النسبة إلى تنظيم الإخوان المسلمين، هو معنى المحافظة على التعليم من تشرب الفكر الراديكالي الشمولي الذي أنتج القلاقل والتصدعات في غير مكان من المجتمعات العربية والإسلامية، وأسهم في تشكيل الخطاب الذي نشأت على مقولاته العنيفة الجماعات الإرهابية.
وإذا تأملنا في قائمة الكتب المسحوبة لوجدنا كتابا بعنوان «النقد الأدبي» لسيد قطب، لا صلة بينه وبين الدين والسياسة، وهو يخلو حتى من «بسم الله الرحمن الرحيم» أو اسم مؤلف مثل مالك بن نبي، أكثر دلالة على الفكر المدني وممارسة النقد الثقافي والحضاري منه إلى أي أيديولوجية عنيفة، فلا بد أن نضيف إلى معنى القرار التجريم لتنظيم الإخوان بالجملة، وذلك بالقصد إلى تمييز الأسماء تحديدا لا الفكر.
وأظن أن أي وجهة فكرية يمكن أن تستحيل إلى خطر على المجتمع، عندما تكرس تكريسا يمنع المواجهة النقدية لها، ويسعى إلى بثها والدعاية لها وتشكيل قوة داعمة لها وضاغطة باتجاهها دون سواها.
وأول مظهر للخطورة هنا، هو الانصياع لنوع من التلقينية والأحادية والشمولية وفقدان العقل المسؤولية في مساءلة ما يتلقاه وامتحان معقوليته، والقدرة على رفضه أو تعديله؛ فيغدو هشا وسطحيا ومحدودا، ومن ثم يسهل اقتياده والدفع به وتأليبه كما تشاء الأيديولوجيا.
ولا يقل عن هذا المظهر خطورة تحول الفرد الذي خضع لهذا التكوين إلى حال من الرفض والصراع مع مجتمعه والعالم ومع ذاته؛ لأن شمولية الفكر وأحاديته الناتجة عن تكريسه تجعل كل من يتمثله رافضا للاختلاف ومحاربا له.
وينطبق ذلك على فكر الإخوان وعلى غيره من الوجهات الفكرية حتى الفكر الشيوعي والقومي إذا ما توفر له من التكريس ما يضخم أحاديته وشموليته وعلاقته بطليعة مؤمنة ومقدسة دون سواها.
لا يمكن أن نحاصر خطورة الفكر بحظر مجموعة من الكتب مهما كثرت؛ لأن الكتب تتزايد كل يوم، ولا يمكن أن نتصور وجهة فكرية محصورة في كتب محدودة بعينها، أو أننا نستطيع بالفعل منع القراءة لها ورواجها.
لكننا نستطيع أن ننتزع من الفكر خطورته بمواجهته نقديا، وحرمانه من الذرائع التي تشكل قوته الضاغطة اجتماعيا، وذلك بتكريس نظام مدني وطني يحترم كل مكوناته الوطنية ويحميها، ويستمد من تنوعها وتعددها قوته، ويصوغ من الأنظمة والقوانين ما يحمي ذلك ويعمقه.
وهنا تبرز مهمة المؤسسة التعليمية من حيث هي مهمة تحرير لعقل الطالب لا أسر له: مهمة تعزيز لقدراته الذاتية في التعلم لا التلقين، وفي التحلي بالمسؤولية والاستقلالية لا التبعية والانقياد؛ مهمة تفضي إلى إدراك قيمة العقل الذي جعله الله «أعدل الأشياء قسمة بين البشر» وإدراك قيمة الإنسان بوصفه إنسانا وتأصيل معاني التعايش والتسامح.
حين نتوقع أننا بمصادرة الفكر الشمولي الأحادي المتطرف، كما هو الفكر الذي يشيع في بعض كتب الإخوان، سنقضي على الشرور، ونؤمن الفكر، فإننا نحطب في حبل هذا الفكر من حيث لا نشعر.
وذلك لأننا ننتج مثلهم عقلا هشا، عقلا غير منيع ضد الدعاية والإرجاف؛ لأنه لا يمتلك حصانة عقلانية ودينية في ذاته ضد خطورة الفكر الشمولي وما ينتج من عنف ضد نفسه وضد مجتمعه والعالم.
وهذا هو العقل الذي ينتجه فعلا الفكر الشمولي المتطرف: عقل انقيادي مأسور إلى فكر محدد وإذعاني في الاستجابة له، ولا يرى في غيره إلى الشر المستطير والجاهلية العمياء.