ما زال لمعشوقتنا عشاق

هناك بعض الأشخاص الذين يعيشون بيننا بكل هدوء، ليس لهم صوت عال، ولا تراهم في الإعلام أو المحافل، يعملون في صمت، وينجزون في سكون، لا يكترثون للأضواء والظهور، ولا ينتظرون من أحد تشريفا أو تقديرا، نواياهم خالصة لوجه الله، وأعمالهم تذر بردا وسلاما على العباد والبلاد، أمثال هؤلاء يجعلوننا مطمئنين، بأنه مهما كثر الغثاء وانتشر الزيف، فسيكونون دائما موجودين ليساعدوا في إبقاء ما ينفع الناس في الأرض.
في مثل هذا الوقت الحالك لأمة العرب من عمر الزمن، والأحلك للغتهم المظلومة، ما جعل الناس تتدافع نحو ما يبدو أنه المستقبل الباهر، والسناء الساطع في لغات وثقافات أخرى، نقف احتراما لكل الجهود الرسمية التي تقوم بها بعض الجهات لمحاولة لم شتات هذا العقد المنفرط من الحروف والقواعد والتشكيلات العربية.
ولكن الشكر الأكبر هو لأشخاص أخذوا على عاتقهم المسؤولية بدون أن يحملهم أحد إياها، وبادروا باجتهادات ومبادرات صنعت ببركتها فرقا، وبنت بسواعدها جسرا من أمل.
هديل العباسي سيدة تبنت هم اللغة العربية، وقررت أن تفعل شيئا مفيدا بدلا من التشكي والتحلطم.
فقامت بحملة بعنوان (كلمني عربي)، منبثقة من مركزها المسمى (أستطيع أن أتكلم العربية)، والتي تهدف إلى إحياء لغتنا العربية وتشجع الجميع على استخدامها.
والميزة في الحملة أنها ربطتها هذا العام بجماليات الخط العربي، حيث سيتم توزيع كتيب صغير مجانا في المدارس والجامعات والمجمعات التجارية، يتدرب فيه الأشخاص على أحد الخطوط، ثم مشاركتها في مواقع التواصل الاجتماعي.
وبما أن الحملة مبادرة مجتمعية غير ربحية، فما سيدعم تكاليفها هو مبادرة الراغبين في المشاركة من خلال التبرع بطباعة الكتيب مقابل وضع شعارهم عليه، وأيضا يمكن الدعم من خلال طلب كمية من الكتيبات وتوزيعها.
ومن هنا أدعو وبقوة الرعاة والداعمين بأن يبادروا بتفعيل الشراكة المجتمعية الحقة من خلال تبني مثل هذه المبادرات الحقيقية النابعة من احتياج المجتمع، وبدورنا سنقوم بالإشادة الإعلامية بها دعما وتشجيعا.
إن دعمنا للغتنا العربية لا يقتصر فقط على عمل الحملات والاحتفال، أو حظر استخدام الكلمات الأجنبية خلال الكلام.
إن الدعم الحقيقي هو في إثراء محتوى لغتك، وزيادة زخمها وإصداراتها القيمة والمفيدة في عصر التنافس الفكري الذي نعيشه.
فما عليك إلا أن تتلقى وتتعلم وتطلع على كل المصادر ومن كل مكان، ثم تحول هذا الفيض المعرفي إلى محتوى فكري عربي جديد وعصري، يجعل لغتك مواكبة وربما استباقية، ويرفع قدرها في السباق الفكري العالمي الذي يتنافس الجميع على صنعه، فمن يتسيد المحتوى فسيتسيد الفكر، ومن تسيد الفكر تسيد العالم.