«الحاكمية» وظيفة قادة الرقيق في مكة 1-4
الثلاثاء، ٨ ديسمبر ٢٠١٥
عرفت المجتمعات المكية الرق وتجارة الرقيق قبل الإسلام، الذي أتى وهذب هذه التجارة وحدد مصادرها، وفرض عليها قيودا، وقنن العلاقة فيها بين المالك والمملوك، ضمن ضوابط تخضع لمعايير شرعية دقيقة.
لذا نجد أنه وفي بداية العصر الإسلامي، اتخذ الرق بعدا آخرا من حيث الشكل والمضمون، حيث اندمج الرقيق في المجتمع بشكل واضح، وظهر منهم عدد من العلماء والمحدثين والفقهاء، وقصدهم الطلاب للنهل من علمهم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر، أي تجاوز دورهم دور الخدمة والمهنية الذي كان مقترنا بهم.
وفي مكة خضع نظام الرق عبر تاريخه الطويل إلى عدد من العوامل التي أثرت فيه، وتبعا لذلك فإن أعداد الرقيق فيها، ووظائفهم وأدوارهم تأثرت بهذه العوامل.
إضافة إلى ذلك فإن مصادر استقطابهم أيضا تغيرت حسب مجموعة أخرى من العوامل، من أهمها العلاقات التجارية والسياسية، والأوضاع الاقتصادية في عواصم العالم الإسلامي، ثم في مكة المكرمة.
والحقيقة أن موضوع الرق في مكة ورغم طول أمده وتغلغله في عمق تاريخها، ما زال يكتنفه كثير من الغموض، ليس لسريته بل لأن المصادر المكية، لم تتطرق إليه إلا في النادر على اعتبار أنه أحد الأمور الحياتية المعروفة، والتي لا غرابة فيها، ولا جديد يذكر فيكتب ويؤرخ له.
ولا يمكن أن نصل إلى ما نريده دون دراسة تاريخية تأخذ في حسبانها مجموعة من الأطوار والأحداث التاريخية المتسلسلة والمتساندة.
إلا أنه يمكن ومن خلال متابعة المصادر المتاحة رسم صورة عامة واضحة الملامح عن أوضاعهم والتجارة بهم في مكة عبر فترات تاريخية متتالية.
فمثلا نجد أن ابن جبير الأندلسي عند زيارته لمكة منتصف القرن السادس الهجري، يشير إلى أن شريف مكة الأمير مكثر كان يحيط نفسه بعدد من الرجال السود، الذين عُرفوا بالحرَّابة يطوفون به، وبأيديهم الحراب، وسمى زعيمهم القائد.
وأشار إلى أن أحد هؤلاء القادة كان ينوب عن الشريف في إدارة ميناء جدة، مما يدل على عظم نفوذهم، وأهمية الوظائف التي تسند إليهم ومن هذا التاريخ نجد أن وجود الرقيق في مكة أخذ يتعاظم، وأدوارهم بدأت في الظهور بشكل أوضح، ونفوذهم أخذ في الاتساع.
ولعل ذلك يرجع إلى تأثر مكة بالعواصم الكبرى من حولها، ففي هذه الفترة وما قبلها تعاظم دورهم في كل من بغداد، دمشق، القاهرة، وأصبحوا يشكلون النفوذ الأعظم فيها.
وسنلحظ بداية من هذا التاريخ أن مسمى القائد والذي يمثل أعلى رتبة كانت تعطى لهؤلاء الرقيق، يصادفنا في كثير من أدوار التاريخ المكي التالية، حيث استمر متداولا أكثر من ستة قرون، وكان هؤلاء القادة، من الرقيق المحررين أو غير المحررين، المخلصين للشريف، ولهم أتباع من جنسهم.
واستمر وجودهم في مكة إلى نهاية القرن الـ12 على وجه التقريب، وكان تناط بهم حماية الشريف، والحفاظ على الأمن في مكة المكرمة، وطرق الحج.
إضافة إلى تقلدهم الوظائف الإدارية المهمة فيها، وتحصل كثير منهم على رتبة الوزارة، ويسمى بوزير الشريف، بل وتعددت الوظائف المنوطة بهم، فمنهم من أصبح سلحدار الشريف أي المسؤول الأول عن جيشه وأسلحته، ومنهم كان دويداره أي كاتبه الخاص، صاحب الدواة، حامل الختم الخاص به، أمين سره، ووظيفته تعادل وظيفة السكرتير حاليا.
ومن هؤلاء القادة من جمع بين أكثر من وظيفة من هذه الوظائف، حتى إن علي الطبري يقول في كتابه إتحاف فضلاء الزمن «ومن قواعد الأشراف، أن منصب الحكومة السياسية بمكة المكرمة، لا يكون إلا في عبيدهم، وأولاد عبيدهم» ومن الواضح أن الطبري يقصد بالحكومة السياسية الوظائف الإدارية والعسكرية في الإمارة.
وكانت كثرة الرقيق عند أمير مكة تدل على رفعة قدره، وتعطيه نوعا من القوة والحماية والنفوذ.
ومن أجل الوظائف التي كانت تسند إلى هؤلاء القادة وظيفة الحاكمية، وهي من أعلى الوظائف في مكة وهي تعادل المحتسب في الإدارة الإسلامية، إلا أنه وفي ظل تداخل المهام نجد أن سلطة الحاكم في أحيان كثيرة تتجاوز مهمة المحتسب إلى غيرها من المهام، كحفظ الأمن، وتعقب المجرمين، وغير ذلك.
الوظائف التي عمل فيها القادة من الرقيق