سيل جدة وسيل المجتمع

يسلك السيل طريقا يصنعه لنفسه على مدى قرون من العمل والحفر الذي يكرره كلما جادت عليه السماء وملأت حياضه منها وعجز عما يجود به سخاؤها عليه فيفيض مع مجراه المعتاد لا ينحرف عن المجرى الذي ألفه واعتاد السير فيه ولا يستبدله بغيره، حتى عندما يقوى وترتفع قدرته فإنه يوسع مجراه ولا يخرج عنه، فالسيل يحترم الحقوق ولا يتجاوز عليها، ولكن الإنسان هو الذي يعتدي ويتجاوز على الحي والميت والمتحرك والساكن.
يأخذ الإنسان بالعدوان على طريقه فيحاول صده وحصره ورفع منسوبه ويوقف جريانه، وعدوانه على مجرى السيل هو جزء بسيط من عدوان أكبر على الطبيعة والحياة حتى المعالم والجبال لم تسلم من عدوان الطامعين.
السيل فقط هو الذي لا يستكين لسطوة الإنسان وجبروته ولكنه ينتظر وينتقم عند اللحظة المناسبة وفي الوقت المناسب، إذا وجد السيل الطريق أمامه مغلقا، بحث عن طريق آخر يحفره تحت أقدام الذين يحصرونه ويضايقونه ويقفون في طريقه فيكون تدميره كبيرا وخطره أكبر على من يريد أن ينتفع به، أو يغضب غضبة مضرية لحقه فيهدم كل ما وضع أمامه من الموانع والكوابح والسدود.
وتبدأ مرحلة الانتقام صاخبة حين يكشر عن أنيابه ويعلن المطالبة بما سلبه منه المعتدون عليه.
السيل يعرف كيف ينتقم ويعرف كيف يعاقب، ولكنه صبور حليم ينتظر ولا يستعجل حتى تحين الفرصة فيستغلها ولا يتأخر عنها.
لكن الأذكياء من البشر لا يواجهون السيل بغلظة وفظاظة فلا يصدونه عن مجراه مرة واحدة ولكنهم يتحايلون عليه ويسوسونه بالتي هي أحسن يرفعون السدود في أماكن وجوده ويتركون له فرصة التجمع والتكاثر حتى تعلو أمواجه ويرتفع منسوبه فيفتحون له منافذ ومخارج يفيض فيها غيظه وكلما ارتفع مستواه ووصل إلى ما يرونه خطرا تعاملوا معه برفق وعمدوا بالوقت المناسب إلى توسيع المخارج وزيادة المنافذ وتنازلوا عن كثرة المخزون حتى لا يحطم السدود ويدمر الموجود.
أما إذا غفل المتعاملون معه عن متابعته وتطوره أو نسوا لطول الزمن وأمنوا فإن المفاجأة تكون أضخم مما يتصورون وأعظم مما يقدرون.
سيل المجتمع: وكذلك المجتمع مثل السيل له حركة ونشاط وله طريق ومجرى يسير فيه ويتحرك في مساحة معقولة منه وله تكاثر وازدحام وضغط رهيب على الطريق الذي يختاره ويرتاح للسير فيه وهو مثل السيل يبحث عن حرية المرور الآمن ويكره المصدات والعوارض والتحجير التي تعترض حركته وتعيق انتظام سيره وتطوره فإذا واجه هذه المصدات كان مثل السيل يتراكم وراءها ويقف احتراما لها بعض الوقت.
وكلما زاد ارتفاع مصدات طريقه زاد هيجانه وزادت روح التمرد والعصيان لديه، ولكنه مثل السيل ينتظر ما أمكن الانتظار ويتحمل ما أمكن التحمل، صبره لا يكون طويلا ولا يحتمل الكثير من الموانع والاجتهادات والممارسات غير النافعة وغير الضرورية، يحتاج إلى حرية السير في مناهج الحياة وحرية الرأي وحرية العمل المشروع والبحث عما يساعده على ذلك، ومن يتعامل مع قضاياه يجب أن يدرك أهمية فتح المنافذ وتخفيف التراكم وراء المصدات حتى لا تنفجر السدود وتسقط المصدات في حالة غضب.
كان مجتمعنا في الماضي قليلا بسيطا يمكن التحكم في مسيره ويمكن توجيهه والتغلب عليه لكن ذلك المجتمع المثالي الطيب المطيع لم يعد موجودا، مجتمع اليوم غير مجتمع الأمس وأدوات الماضي وأساليبه غير صالحة لإدارة الحاضر ومتطلباته وغير مناسبة للزمان والمكان والناس أيضا في الحاضر.
المجتمع في الوقت الحاضر يحتاج إلى توسيع منافذ حريته ورفع الحواجز التي توضع في طريقه وهي حواجز كثيرة تشكل تعثرا كبيرا لعمله ولإنتاجه وليست في صالحه، حواجز تصنعها الاجتهادات الشخصية والتصورات الخاطئة والأوهام التي تعشعش في رؤوس بعض الناس الذين يفكرون قبل الانترنت وقبل العدد السكاني المزدحم والمدن المكتظة.
ويخطئ الذين يريدون المجتمع صورة واحدة يرسمونها كما يريدون ويقبلون ويرضون، المجتمع غير ما يريدون وغير ما يتصورون، المجتمع يريد تطور الأنظمة وآلياتها وإدارتها بما يوازي تطور المجتمع نفسه وحراكه الطبيعي ويريد أن يترك لنصفه المعطل حرية العمل الشريف في أي مكان، ويريد ألا يتدخل في شؤونه من يصنفه ويقسمه ويفتت وحدته وانتظام حياته وهو ليس مسؤولا عنه.
marzooq.t@makkahnp.com