لا أثق في أحد إطلاقا!

لا أستغرب سماع مثل هذه العبارة التي أحببت أن أجعلها عنوانا لمقالي اليوم.
فالبعض منا قد يمر بمواقف مع بعض الأشخاص تجعله يحمل شعورا طاغيا بعدم الأمان، ويظن أن المجتمع لن يتردد في إيقاع الضرر به متى ما سنحت الفرصة.
ولكن هل تخيلت سيدي «غير الواثق» كيف ستكون الحياة في عالم إنساني لا يحمل أي معنى للثقة؟ وهل تعلم أن مجرد التخيل سيكون أمرا مجهدا؟ لأنك في الواقع، تثق في المئات بل الآلاف من البشر في هذه اللحظة وأنت غير مدرك!لنتخيل سيدي «غير الواثق» أنك تريد أن تسافر إلى إحدى الدول لمقابلة شخص.
حتى تنجز الرحلة، عليك أولا أن تثق في سائق التاكسي، ذلك الرجل الغريب الذي ستركب معه ليأخذك للمطار، وأنت بالطبع لا تعرف أي شيء عن سجله الجنائي، فقد يكون أحد أخطر المطلوبين أمنيا.
وقدومك للمطار يعني أنك كنت واثقا من أن العاملين في خطوط الطيران لن يسرقوك، وأنهم سيوفرون لك مقعدا وطائرة أجريت عليها كل الفحوصات اللازمة، ويقودها طيارون تثق في صحتهم ومؤهلاتهم وأنت لا تعرفهم، وتثق أن المضيفين سيقدمون لك وجبات يعدها طباخون لم تقابلهم من قبل، لكنك تثق في إخلاصهم.
وخلال الرحلة، تبدو عليك علامات الاطمئنان والثقة في جميع الركاب من حولك، فلن يخطر ببالك أنه سيضربك أو يسرقك أي واحد منهم، على الرغم من أنهم غرباء تماما.
أنت أيضا تثق في أولئك الأشخاص الذين صنعوا الطائرة التي تطير بك من دون أن تتأكد من قوانين الفيزياء التي اعتمدوها، ولا معاييرهم للجودة والسلامة.
هل أدركت كمية الثقة التي تمارسها لتنجز عملا واحدا فقط (السفر).
لنتخيل أنك تعني ما تقوله فعلا (أي أنك لا تثق في أحد إطلاقا)، إلى أي مدى ستصبح حياتك عسيرة؟ سأصورها لك في أبسط احتياج، حينما تخرج لتشتري قطعة خبز للأكل.
أولا ستتقدم بطلب الفحص لها كي تتأكد من خلوها من المواد الضارة، فيكلفك الطلب مثلا خمسين ريالا، ثم تنتظر عدة أيام لتستلم النتيجة، وبعدها ستقبل أن تأكل الخبز وهو غير طري وقد تكلفت فيه خمسين ضعف قيمته الشرائية.
بالإضافة إلى قطعة الخبز، ستكون مرغما عزيزي «غير الواثق» أن تثق في جميع موظفي البنوك كي تملك حسابا بنكيا، وأن تثق في جميع المعلمين كي ترسل ابنك للمدرسة فيتعلم، وأن تثق في الشرطة والنظام كي تخرج من دون حراس، وتترك بيتك وعائلتك وحدهم.
هل أدركت كمية الثقة التي تمارسها في حياتك اليومية؟ وهل أدركت درجة إيمانك في أن مجتمعك في الواقع يستحق ثقتك على عكس ما كنت تتصور؟ إننا معرضون للمئات من أشكال الخيانة والاستغلال لاضطرارنا إلى تسليم أنفسنا وبياناتنا الشخصية للآخرين، ولكننا لم نشعر يوما بتوقف الحياة كلية، أو عجز المجتمع عن تكوين كل صور التعاون الأساسية لتسهيل حياتنا.