مراحل تطور مهنة الطوافة

هذا مجتزأ من أدبيات رسالة الدكتوراه الخاصة بي أنشره بمناسبة الحديث عن رسملة مؤسسات الطوافة والمحاذير التي تكتنفها وآثارها من جهة خدمة الحجاج، أنقله هنا من أجل إيضاح الصورة لمن قد لا يدركون مخاطر انفراط عقد هذه المهنة العريقة من حيث لا يقصدون.
فمهنة الطوافة مهنة عريقة تمتد إلى عدة قرون، ومرت بمراحل وتنظيمات عديدة كلها تهدف في النهاية إلى العناية بالحاج القادم من الآفاق وإكرامه وتهيئة السبل لأدائه المناسك براحة واطمئنان.
وكان كل تنظيم يهدف إلى معالجة ما نتج من سلبيات للتنظيمات التي سبقته.
وفيما يلي عرض موجز للمراحل الرئيسية التي مرت بها مهنة الطوافة:مرحلة الروحانية المطلقة:هي المرحلة التي كان المطوف فيها مرشدا روحيا وعالما دينيا، يستفتيه الحجاج في كل شؤونهم، ويرشدهم إلى أمور دينهم، وهي المرحلة التي بدأت ملامحها في الظهور في عهد المماليك، بانتداب أمير مكة للقاضي إبراهيم بن ظهيرة لتطويف السلطان قايتباي 884هـ (عنقاوي، 1994م).
بينما ابن رشيد المتوفى سنة 721هـ ذكر في سياق الحديث عن رحلته إلى الحرمين لأداء مناسك الحج في سنة 683هـ أن الكثير من أهل مكة المشرفة وأطفالها دأبوا على استقبال الحجاج وتعليمهم المناسك.
(ابن رشيد، 1988م) ومن المرجح أن أهل مكة منذ القرن الهجري الأول كانوا يرون أن من الواجب عليهم أن يرشدوا الغريب إلى المناسك والعبادة، مدفوعين إلى ذلك بروح التعاون على البر والتقوى، وعمل الخير، وتعليم القادمين أداء نسك الحج لوجه الله تعالى، لا يريدون منه جزاء ولا شكورا.
(شاهين، 2006).
مرحلة السؤال:السؤال هو أول كلمة أو جملة يفضي بها الحاج لاختيار المطوف الذي يرغب من أبناء الطائفة وفقا للصيغة والأوضاع التي عينها النظام.
(نظام المطوفين العام، 1367هـ/1947م).
وفيها كان اختيار المطوف يتم من قبل الحاج، من خلال سؤاله عنه في موانئ الدخول إلى الأراضي المقدسة، فإذا نطق الحاج باسم مطوف معين يكون من نصيبه، ويصبح تحت رعايته ومسؤوليته الكاملة (عنقاوي، 1994م).
مرحلة التقارير:التقارير هي مراسيم يصدرها أمراء مكة ويعطونها لبعض المطوفين يخصصونهم بموجبها في بلد أو بلدان من البلاد الإسلامية.
فإذا ورد من البلد أو البلدان حاج، يسأل عن بلده أولا، فإذا ذكره أعطي للمطوف الذي خصص البلد له.
(مليباري، 1985)، أما إذا كان الحاج قادما من بلد لم يقرر أحد الأمراء فيه مطوفا خاصا يكون عندئذ لمن يذكر اسمه من المطوفين (السباعي، 1999).
مرحلة التوزيع:هذه المرحلة جاءت في أعقاب المرحلة الأخيرة من مراحل السؤال، وفيها تم تحديد عدد من الحجاج لكل مطوف بناء على متوسط آخر ثلاثة مواسم (1392 و1393 و1394هـ)، وتحديد الجنسية حسب جنسية الأكثرية التي كانت تقصده في ظل السؤال، وبناء على ذلك يتم توزيع الحجاج القادمين عند المنافذ على المطوفين دون سؤالهم.
مرحلة المؤسسات:وهي المرحلة الحالية، والتي بدأت بصدور مرسوم ملكي عام 1399هـ، وبدأ تطبيقها في عام 1402هـ، بتأسيس أولى مؤسسات الطوافة، وهي مؤسسة مطوفي حجاج تركيا، وهي التي حولت الطبيعة الفردية لأعمال مهنة الطوافة إلى الجماعية المؤسسية.
حيث تم تجميع المطوفين في ست مجموعات وفقا لجنسيات الحجاج الذين قاموا بخدمتهم خلال مرحلة التوزيع التي امتدت من عام 1395هـ وحتى 1405هـ.
و بإذن الله نكمل في المقال القادم الحديث حول كيف كانت كل التنظيمات لمهنة الطوافة تتحرى مصلحة الحاج بالدرجة الأولى.