سيجار كوبي
الخميس، ٨ يناير ٢٠١٥كان صباح الرابع عشر من أكتوبر 1962 كأي صباح آخر من أيام الحرب الباردة، لكن مساءه لم يكن كذلك، فقد التقطت طائرة تجسس أمريكية صورا لقواعد صواريخ سوفييتية نووية في كوبا التي لا تبعد عن شواطئها سوى مائة وخمسين كيلو مترا.
الرعب الأمريكي من الجار القريب كان مبررا، فخمسة وأربعون رأسا نووية يمكنها أن تجعل من أمريكا تاريخا يُدرّس لقارة غرقت بين المحيطين الأطلسي والهادئ.
في تلك اللحظة أمسى العالم مستعدا للحرب العالمية الثالثة والتي ستكون الأخيرة بفضل أكثر من خمسين ألف رأس نووية لأمريكا وروسيا موزعة في أنحاء العالم.
فرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا وجويا على كوبا، تلك الجزيرة التي تتمدد بإغراء على مياه البحر الكاريبي، وقد كان ذلك القرار أقل القرارات عنفا محاولة لمنع تأجيج الصراع، بعدها فُتح الخط الساخن للمرة الأولى بين الرئيس الأمريكي جون كينيدي والزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في مكالمات متعددة تم الاتفاق فيها على إزالة قواعد الصواريخ الكوبية، ورغم أن خروتشوف بدا مهزوما أمام العالم وأمام شعبه، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، لأن الاتفاق شمل أيضا سحب أمريكا لصواريخها النووية من تركيا المجاورة للاتحاد السوفييتي، النقطة التي لم تنل من الإعلام اهتماما واسعا.
وهنا تظهر قدرة الإعلام الأمريكي على تحويل اتفاق متبادل إلى نصر تاريخي ساحق بالضربة القاضية.
بعد جفاء طويل استمر أكثر من خمسين عاما، ومفاوضات امتدت لأكثر من ثمانية عشر شهرا رعاها البابا فرانسيس وجهّزت طاولتها الحكومة الكندية، أعلنت الولايات المتحدة وكوبا في السابع عشر من ديسمبر الماضي عودة العلاقات الدبلوماسية بينهما وانتهاء الحصار الاقتصادي الذي طال أمده، ذلك الحصار الذي كلّف الكوبيين كثيرا، اقتصاديا وطبيا وتكنولوجيا.
عودة العلاقات قوبلت بترحيب حار من الكوبيين بينما كان رد فعل الشعب الأمريكي فاترا، ربما لأن ذكريات التهديد النووي لا تزال حاضرة.
كوبا بلد الشمس الساطعة، والسيارات الأمريكية القديمة التي تجوب شوارع هافانا، وقاعدة جوانتانامو التي استأجرتها الولايات المتحدة بألفي دولار سنويا فقط لا غير، وأخيرا السيجار المشهور الذي يوقده رؤساء العصابات في أفلام هوليوود.
كادت في لحظة خاطفة من التاريخ أن تصبح بلد القرار المتهور الذي أطفأ النور في كوكب الأرض.