تطور التقنية وعمليات الاختطاف

كانت القصص القديمة قبل عقد إلى عقدين من الزمان تختلف كثيرا عما يحدث اليوم بيننا كمجتمع أصبح كل فرد فيه يشعر بأنه يدخل منازل الآخرين، ويشاركهم تطلعاتهم وأفراحهم وأحزانهم، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ومن خلال تطور تقنية الشوارع والمحلات التجارية والحكومية بسيادة أعين الكاميرات، المزروعة في الزوايا، ليضيق الخناق على كل خارج عن مسارات القانون.
وكانت عمليات اختطاف الأطفال تحدث، ونسمع عنها وكأنها إشاعات، لا أساس لها، ولا مزيد من المشاركة والاهتمام.
وتمر الأيام، وكل ساعة تقلل من فرص إيجاد المختطف، وتزيد الخاطف ثقة في أن عمله جريمة متكاملة لا ثغرات فيها.
ولكن هذا لم يعد الحال في يومنا؛ فقد احتفل الشعب السعودي بأجمعه (الأربعاء الماضي)، وشعر كل شخص بالدموع تترقرق في عينيه، بمشاركته لأسرة الطفلة المخطوفة جوري الخالدي حين عودتها إلى أحضانهم، بعد أيام من الاختطاف على أيد ظالمة استغلت غفلتهم عنها في أحد ممرات المستوصفات.
لقد ابتهجت أسرة المختطفة والشعب السعودي، وابتهج كل محب للخير على طول الأرض وعرضها بالنهاية السعيدة، فلا أحد يرضى أن تقوم أيد غاشمة بخطف طفولة أيا كانت، ولا إجبارها على الانتقال إلى أيد بديلة، مهما تصنعت العطف؛ فالخاطف دوما هو القسوة، والظلم، والشذوذ، وتسخير الطفولة البريئة لأغراض شاذة منحرفة يكون هو المسيطر فيها، والمتفرد بالقرار.
لقد قام الخاطف وأعوانه بتغيير ملامح الطفلة، فلعلهم يخدعون الأعين، ليصلوا إلى أهداف مريضة في أنفسهم.
وهنا ظهرت قيمة مواقع التواصل، والتي كان لها فائدة عظمى تكاد أن تنسينا مساوئها، فامتلكت اليد الطولى في نشر تطورات القصة، وإيصال صورة المختطفة، والمشتبه به لكل يد، وتنبيه الجميع وفتح الأعين؛ كما قامت بالضغط الفكري الشعبي على قيادة قوات الأمن السعودي، للحث والتسريع من عمليات البحث والتقصي، وللتسابق مع دقائق وساعات خبث الخاطف، والتوصل إلى حل ذكي متسلسل جذري، ونهاية مرضية لمشاعر أهل الطفلة، ومشاعر المتعاطفين، ممن شعروا بأنها ابنتهم، فأشعلوا مواقع التواصل الاجتماعي بالمشاعر والدعوات.
كان هذا يعد في الماضي من السحر، والشعوذة، ومن ضرب المندل، وتقليب البلورة السحرية، للبحث عن جواب نجمي يكذب ولو صدق.
نعمة من الله فالكل بهذه التقنيات الجديدة سعيد، طالما أنه صادق أمين إنساني، يتمنى المحافظة على ماله وأبنائه وممتلكاته، وعلى قواعد السلام والعدالة والأمن في موطنه.
وبالطبع فلن يرضى عن تلك التقنية كل من في نفسه حرج، وكل من يسعى بالشر، سواء بالخطف، أو السرقة، أو الابتزاز، أو بإرهاب يسعى لدمار وطن وضمير الأمة.
هذه التقنية الغربية الصنع سماها البعض منا بالبدعة، ووضعها المتزمتون في زاوية الإنكار والتكفير، رغم أنهم أكثر من يستخدمها، في تناقض ينكر تمازج العلم مع الحق.
هذه التقنيات تعتمد على نية من يستخدمها، فبإمكانه أن يحيلها إلى غاية الشرور، وفي نفس الوقت يمكنه أن يجعلها خيرا يعم على البشرية والأرض.
العلة لا تكون دوما في الجديد، ولكنها تكمن في الشعور المتقوقع المتزمت المختل، الذي يحمله البعض في أنفسهم، ويحاولون من خلاله تضييق رؤية فسيح العالم المستقبلي.