عبدالعزيز الغامدي مثقف مهني محترف للطباعة

أورثه عمله في مختبرات الكيمياء بقسم كلية العلوم بجامعة المؤسس في بداية حياته حب العمل بيديه، وغرس اشتغاله بعمليات تفاعل المواد الكيميائية بداخله التحدي للوصول إلى الأهداف التي يود تحقيقها.
لكن انغماسه في القراءة ومعاقرته للكتب والمجلات وجها وجدانه نحو العمل الفني الثقافي، فهو المتابع بامتياز في شبابه لمجلة العربي، ثم مجلة القافلة والفيصل والمنهل والرائد، وبذلك تأسست فلسفته في مهنة الطباعة، فهو يرى أنها مهنة مرتبطة بالفن والثقافة أكثر من ارتباطها بلغة المال والأعمال.
عندما أراد تأسيس عمل خاص به لم يختر نوعا من أنواع التجارة المدرة للأرباح، ويقول «لو كان هدفي جمع الأموال وتكوين الثروة لاتجهت إلى التجارة في العقارات والأراضي، فهي تحقق الملايين سريعا، لكن عشق الكتب وآلية عملية الطباعة وجه اهتمامي العملي نحوهما».
هكذا تكون الدافع الذي حركه لتأسيس أول المطابع الحديثة في المملكة (مطابع السروات بجدة)، التي أثرت الحياة المعرفية بطباعة آلاف الكتب، المطبعة التي نهض بها في عام 1977 م، ومعها تحول الشاب الكيميائي إلى فني خبير في شؤون الطباعة وإلى علم بارز في فضائها.
لم ينقطع تواصل مثقفي جدة ومدن الحجاز عنه منذ الثمانينات وحتى اليوم، فهو المحقق لأحلامهم في طباعة كتبهم، وهو الناصح الأمين لهم في التفاصيل الفنية التي تخص تصميم الأغلفة ونوع الورق والخط والألوان، ولأنه يحفظ القرآن منذ صغره لقبوه بـ»الشيخ» قبل أن يبلغ مبلغه.
تنامت حرفيته بشكل طردي، وكان لزاما عليه أن يمارس العمل بيديه، بأصابعه، بإحساسه، كما كان يفعل في معامل الجامعة، فاستعان بخبير مطابع لبناني، فتعلم منه صف الحروف على الطابعات القديمة، وتمرس في حرفة فرز الألوان على الطريقة البدائية اليدوية، حتى أنجز مطبوعات تضاهي المنتجة في الخارج.
غير أن ذلك الفتى، الذي ولد في قرية بلجرشي، لم يكن سوى باحث عن مهنة مشتقة من عالم عاشه في طفولته وصباه، فهو متيم بالجمال الذي ترعرع فيه بين الحقول الخضراء والمراعي الفسيحة.
كان يقضي سحابة يومه في الغرس والزرع والحصاد، وإذا اشتاق للمسير فإنه يصحب الشياه في جولات الرعي، وإذا طفق إلى البيت في المساء قضى الساعات الطوال في مطالعة الكتب المتراصة في مكتبة معلمه الأول والده الراحل.