ندى.. والعنزي.. في وطن الفرح!
الجمعة، ٤ ديسمبر ٢٠١٥alhelali.
a@makkahnp.
com
الأخبار الفرائحية باتت نادرة هذه الأيام، قياسا بزحمة أخبار المآسي والمشاكل والفتن الكونية من شتى بقاع العالم، وأصبحت تلك الأخبار الجميلة كقطع الحلوى بعد أطباق كاملة من «المر»، والعجيب أنّ فرائحية الأخبار نسبية من ذات إلى أخرى، فإن كنا في الخليج نستقبل خبر نزول أسعار النفط بخوف وألم، فغيرنا في أماكن أخرى من العالم يتباشرون بذلك الخبر، وإن كان العقلاء يتألمون لخبر تفجير إرهابي، فإن ثمة من المجانين مَن يحتفلون باعتباره فتحا ونصرا!!وبعيدا عن فلسفة المقدمات، سأجول معكم في مضمار الأخبار الفرائحية، ومنها صدور موافقة مجلس الوزراء على نظام رسوم الأراضي البيضاء، واعتماده أيضا تنظيم حماية العمل الأهلي، لتحسين نظام مؤسسات المجتمع المدني وتحديد المدة الزمنية لإنشاء مؤسسة أهلية.
وحديث الأمير محمد بن سلمان الشفاف والمطمئن إلى الصحفي الأمريكي توماس فريدمان عن مستقبل البلاد، ورؤية القيادة لما يجب أن تكون عليه الأمور خلال الفترة المقبلة، والعمل الحثيث لتقليل الاعتماد الكامل على النفط، وقد أوفى الزميل (محمد حطوط) هذا الخبر في مقالة موفقة، وفرحنا العارم بالعثور على الطفلة المخطوفة «جوري الخالدي».
أما على مستوى مدينتي «الطائف» كان لخبر فوز أمانة الطائف بجائزة مكة للتميز عن مشروعها المميز في متنزه الردّف أثرا فرائحيا عظيما في النفس، وعلى المستوى الثقافي فوز الشاعر السعودي علي الحازمي بالمركز الأول في جائزة الأوروجواي للشعر في دورتها الرابعة، وفي الحقيقة أن كل خبر من هذه الأخبار الرائعة يستحق وقفة مستقلة، لكنني سأجوزها إلى خبرين مهمين جدا ـ في نظري ـ ومتشابهين ـ أيضا ـ سيكونان مدار الكلمات المتبقية من هذه المقالة.
الخبر الأول: حصول المعلمة السعودية «ندى آل عباس» على جائزتين ذهبيتين من بلجيكا وماليزيا نظير اختراعها شريحة بلاستيكية تعطي تشخيصا فوريا للخلية السرطانية، وهذا الخبر العظيم استقبلتُه بحماسة بالغة، كونه في المقام الأول خبرا عظيما على مستويات عدة، واحتماله النسبية بين الناس ضئيل جدا؛ لأنه يخدم البشرية دون استثناء، والمفارقة العجيبة أن المخترعة تأتي من الحقل التعليمي، بل من مدرسة ابتدائية مناهجها لا ترقى إلى مستوى هذا الاختراع الطبي، والعجيبة الثالثة أنها من منطقة نائية عن مراكز البحث العلمي المتقدمة، وكل هذه المتباينات لم تفت في همّة هذه المعلمة العظيمة، ولم تثنِ طموحاتها عن تحقيق منجز وطني استحقت نظيره حفاوة العالم، ثم حفاوة وزير التعليم ورئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.
أما الخبر الثاني: فيأتي قريبا من هذا الخبر في كونه اختراعا تقنيا ـ أيضا ـ وكون المخترع معلما في مدرسة ابتدائية بالزلفي، لكنه أقل من حيث المفارقات، فالمعلم «أحمد العنزي» اخترع حقيبة الكترونية ذكية، تحوي جهازا لوحيا، وبروجكتر متنقلا، وشاحنا متنقلا أيضا، ومكبر صوت، وشبكة انترنت، تتآلف جميعا عبر «الواي فاي» لينفذ المعلم أو المدرب من خلالها محتوى مادته بيسر وسهولة، حتى انتقل مدير تعليم الزلفي لحضور حصة نموذجية للمعلم، أبدى بعدها دهشته وإعجابه بحرص المعلم على تحقيق استفادة الطلاب من التقنية الحديثة.
اهتمامي بهذين الخبرين الرائعين يأتي من اتجاهات شتى، الأول: دحض توهم الكثيرين جمود عقول أبناء هذا الوطن وعدم إحساسهم بمسؤوليتهم الكونية أو الوطنية، والثاني: كون المخترعَين معلمَين لن نعدم بإذن الله أن يخرج من بين أيديهما مخترعون آخرون ومخترعات، والثالث: أنها مخترعات إنسانية تدعم (الصحة/ والتعليم) الضرورية لكل إنسان على وجه الأرض، والعاشر: ما وصل إليه إنسان هذه الأرض من وعي وتطور على المستوى الفكري والعلمي.
الاهتمام الرسمي بالمخترعين بدأ يؤتي ثماره الأولية، في مشروع «موهبة» وكذلك في جمعية المخترعين السعوديين، لكن هذا الاهتمام ربما لا يزال في خطواته الأولى، فالدعم الحكومي لا يوازيه دعمٌ من القطاع الخاص في تبنّي المخترعات وتصنيعها وتسويقها، وحراك المؤسسات الحكومية الإعلامي ضعيف مقارنة بحجم الوطن، فعلى أقل تقدير يجب أن تطلق الجهات الرسمية قناة تلفزيونية خاصة بالابتكارات والمخترعات الوطنية، تطعمها بمخترعات العالم عبر التاريخ، وورش عمل وحوارات للعلماء وللمخترعين تحفز الآخرين على التفكير العلمي، وتعطي المخترعين السعوديين مكانتهم المستحقة اجتماعيا وإعلاميا.
وختاما في زمن سلمان الحزم تمتد الأمنيات عِراضا إلى القيادة الرشيدة في اعتماد مكافآت مجزية للمخترعين، تكفيهم التفكير في هموم الحياة العادية، كالسكن والمعيشة والوظيفة وما في حكمها، وتفرغهم في بيئة محفزة باشتراطات خاصة، يكون أهمها الإنجاز السنوي، فنحن في أمسّ الحاجة إلى عمل هذه العقول، واستثمارها الاستثمار الأمثل الذي يخرجنا من قائمة العالم الثالث، ومن وهم الحالة التنظيرية أننا «أفضل أمة» ونحن لم نقدم للبشرية عُشر المأمول منا!